غزة/ دعاء الحطاب
بسعادة غامرة وابتسامات تملأ الأرجاء، وقف عماد مستنداً على عكازة وسط عائلته يحدثهم عن رغبته باجتياز السلك الفاصل ،أملاً بقذف الرعب بقلوب جنود الاحتلال المُختبئين خلف التلال الرملية، فما كان من العائلة إلا الدُعاء له بالتوفيق والعُودة سالماً، فجميعهم يُدركون مدى إصراره وعناده بما يخص مسيرات العودة، التي يعتبرها طريقاً أساسياً للتمرد على الواقع المرير في قطاع غزة.
ومع خروج الشهيد عماد شاهين (17 عاما) من المنزل، عاد كل شيء لصمته وسكونه إلا قلب والدته الذي يرتجف خوفاً عليه ويترقب عودته سالماً، لكونها تعي تماماً مدى خطورة الأوضاع داخل ميادين العودة، وخاصةً إصابته برصاص الاحتلال مرتين خلال الأيام الماضية، تسببت الثانية ببتر قدمه.
مضت الساعات بثقلها، وعينا والدته تراقبان عقارب الساعة المتأرجحة يميناً و يساراً، منتظرة توقفهما عن تمام الساعة السادسة مساء لتعلن معها موعد رجوع فلذة كبدها لبيته، لكنها لم تكن تتوقع أن بإتمامها أن تتلقى اتصالاً هاتفياً يُعلمها بإصابته برصاص الاحتلال بعد اجتيازه السياج الفاصل شرق مخيم البريج لبضعة أمتار، واختطافه من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
واختطف جيش الاحتلال عماد وهو مضرج بدمائه، واقتيد إلى مستشفى سوروكا بمدينة بئر السبع المحتلة، مساء السبت الماضي، مكبلاً بالأغلال محاطا بالسجانين، بينما ذوه لم يناموا من شدة القلق، وحاولوا بشتى الطرق الوصول لمعلومات تطمئنهم عليه، لكن وفي كل مرة يُبلغهم الصليب الأحمر بذات الكلام " مازال على قيد الحياة، والاحتلال لم يُعطنا معلومات أكثر".
أيامٌ عصيبة
وبين لوعة الانتظار ودموع الرجاء ظلت العائلة تتأرجح لأيام، حتى تلقت اتصالاً من محامية مركز الميزان لحقوق الإنسان تُخبرهم باستشهاد عماد متأثراً بإصابته، أمس، صرخات أمه ملأت الأرجاء، وأجهشت عيون ذويه بالبكاء، بينما تماسك أشقاؤه فخراً به.
بصوت حزين، يقول أبو محمد عم الشهيد:" يوم السبت عماد خرج مع أصدقائه للمشاركة بمسيرات العودة على الحدود زي أي يوم، كنا ننتظر عودته لكن تفاجأنا باتصال من أحد المُسعفين يُبلغنا بإصابته واختطافه من قبل الجنود بعد اجتيازه للسياج الفاصل".
وأردف بألم خلال حديثة لـ"الاستقلال":" الخبر كان صدمة كبيرة لنا، رغم أننا اعتدنا سماع خبر اصابته كونه أصيب مرتين خلال مشاركته بالمسيرات، لكن المرة كانت غير، فنحن لم نره ولا نعلم أي شيء عنه سوى أنه مصاب على قيد الحياة".
يتابع بحسرة:" بقينا ننتظر على أحر من الجمر لمعرفة مصير عماد، لكن للأسف الاحتلال أمعن بتعذيبنا وعقابنا برفضه إعطاء الهلال الأحمر والمحامي معلومات عنه ان كان مُصاباً أو شهيداً"، مستدركاً:" بعد يومين علمنا من وسائل الإعلام خبر استشهاده، لكننا لم نبلغ رسمياً بذلك، فبقينا بحالة صعبة جداً".
بتنهيدةً خرجت من أعماقه، أضاف:" الليلة قبل الماضية كانت أقسي ليلة علينا، فطوال الليل ندعو الله أن يكون خبر استشهاده كاذباً، لنفجع بالصباح باتصال المحامية تُعلمنا بخبر استشهاد عماد".
الشهيد الحي
" الشهيد الحي".. لقبٌ ارتبط بالفتي شاهين، فرغم حداثة سنه إلا أن شجاعته جعلت منه أيقونة مسيرات العودة شرق المحافظة الوسطي، فقد وهب نفسه شهيداً لمسيرات العودة، ورغم إصاباته مرتين وبتر قدمه بقمع قوات الاحتلال المُتظاهرين، إلا أن ذلك لم يمنعه يوماً عن المشاركة.
ويقول عم الشهيد:" عماد شاب عادي عايش الواقع الذي نعيشه بغزة، بدون أمل ولا حياة، وجد بمسيرات العودة وسيلة للمطالبة بحقوقه والتعبير عن تمرده على واقع غزة سواء وجود الاحتلال والحصار أو الانقسام، فكان مصراً على المشاركة بالمسيرات حتى وان كلفه الامر حياته".
ويستكمل حديثه:" تصاوب عماد مرتين بالمسيرات، مرة برصاص حي بقدمه، والمرة الأخرى برصاص مُتفجر بذات القدم أدى إلى بترها، لكن ذلك لم يمنعه من المشاركة ففي كل مره كان يتوجه للحدود قبل أن تشفى اصابته"، مضيفاً:" حاولنا كثيراً منعه من المشاركة لكننا لم نستطع، وكان يرد علينا أنا وهبت نفسي شهيداً للمسيرات ما تحاولوا توقفوني".
سياسة قهرية
ولم يكتف الاحتلال بقتل عماد ومُعاقبة عائلته بعدم اعطائهم معلومات عنه ، بل تمادى ذلك المحتل في ظلمه لتلك العائلة المكلومة، بحرمانهم من وداع جثمانه ومواراة الثرى في مسقط رأسه بالنصيرات وسط قطاع غزة.
ويوضح عم الشهيد، أن العائلة بعدما تجاوزت صدمة الاستشهاد، بدأت بترتيب اجراءات الجنازة واختيار مكان الدفن، ظناً منها بانها ستستلم الجثمان فوراً، لكنها فوجئت بعدم تحديد موعد استلام جثمانه من قبل الاحتلال، مؤكداً أن الاحتلال يتبع سياسة قهرية لأهالي الشهداء فهو يعاقب الشهيد بقتله واسرته بحرمانهم من وداعه.
وفي نهاية حديثة، أكد أن العائلة فخورة باستشهاد نجلها "عماد" رغم الألم الكبير الذي تركه فراقه بقلوبهم، فعزاؤهم الوحيد أنه حقق أمنيته بالشهادة واستطاع ان يُثير رعب جنود الاحتلال كما كان يطمح.
استلام الجثمان
وقدمت عائلة الطفل شاهين عبر مركز الميزان لحقوق الانسان الاثنين، طلبًا مستعجلًا لسلطات الاحتلال بغرض استرداد جثمان نجلها، الذي استشهد على الحدود الشرقية لقطاع غزة يوم الاحد الماضي.
وقالت المحامية ميرفت النحّال: إن المركز تقدم بطلب للمستشار القضائي الإسرائيلي والنيابة العسكرية الإسرائيلية؛ من أجل استرداد جثمان الطفل عماد.
وأشارت النحال، إلى أن العائلة لم تتلق أي رد على طلبها من الجهات الإسرائيلية.


التعليقات : 0