غزة/ دعاء الحطاب
في قاعةٍ مغلقة لمدة ساعتين متواصلتين، يستلقي المريض أبو محمد لافي على كرسي غسيل الفشل الكلوي في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، وعلامات الخوف والقلق تبدو واضحةً على وجهه الشاحب خشية توقف الجهاز فجأةً نتيجة أزمة الوقود الحادة التي يعاني منها القطاع الصحي في القطاع .
لافي (45عاماً) ونحو 800 مريض بالفشل الكلوي في غزة يخشون تداعيات أزمة الوقود على تلقيهم حقهم الأساسي في العلاج، وغيرهم المئات ممن ترتبط حياتهم بالأجهزة في كافة الأقسام، كمرضى العناية المركزة والقلب وأطفال الخدج وغيرهم، الأمر الذي يجعلهم جميعاً عرضة للوفاة في أي لحظة.
ويضطر "لافي" لأن يأتي من رفح جنوب القطاع إلى غزة، ثلاث مرات أسبوعياً لإجراء عملية غسيل الكلي، الأمر الذي ينهكه نفسياً ومادياً، لتأتي أزمة الوقود لتُضاعف آلامه وتُهدد حياته بشكل مباشر.
حياتنا في خطر
بغصة ألم، يقول لافي لـ"الاستقلال":" الله يعلم بحالنا وبالوجع اللي بنعيشه كل يوم مع مرضنا، ليزيدوا معناتنا وآلامنا بأزمات الوقود والكهرباء والدواء، شو ذنبنا لنتحمل كل هادي المعاناة؟".
ويتابع:" منذ خروجي من المنزل للمستشفى يبدأ القلق والخوف يتسلل لقلبي، وتحتاح فكري أسئلة كثيرة عن توفر الوقود في المستشفى، هل مازال متوفر لتشغيل الأجهزة أم انتهي؟، وماذا سيحدث لي اذا توقف عمل المستشفى لأيام؟"، مضيفاً:" إذا نفد الوقود الخاص بتشغيل أجهزة الغسيل لمدة يوم واحد فإن حياتنا كمرضى معرضة لخطر وقد يموت بعضنا".
وفي نهاية حديثة، ناشد المسؤولين بوزارة الصحة والجهات المعنية بالضفة وقطاع غزة أن يجدوا حلولاً جذرية لأزمة الوقود المتجددة دائماً، والتي باتت تهدد حياتهم وتعرضهم للموت في كل لحظة.
الأمان معدوم
وداخل غرفة العناية المركزة للأطفال الخدج بمستشفى الشفاء، تجلس أم يوسف سليم بجوار طفلتها متأملة بملامحها البريئة تارة، وتارة أخرى تستمع لنبضات قلبها فرحاً، لكن هذه الفرحة سرعان ما تتبدل بكابوسٍ مخيف من موتٍ مفاجئ يُوقف قلبها الذي لم يكتمل بعد.
فالأنابيب البلاستيكية المُتصلة بين جهاز التنفس الصناعي وقلب طفلتها تمثل شريان حياة لها، وانقطاعها أو توقفها بسبب أزمة الوقود يعني موتاً محققاً لفلذة كبدها.
بعيونٍ محمرة تفضح حزنها، تقول سليم:" بعد 4سنوات من الزواج أنجبت طفلتي نور، لكن فرحتى بها لم تكتمل فقد ولدتها بالشهر الثامن من الحمل و تعاني من نقص ومشاكل بالقلب، وترقد داخل غرفة العناية المركزة لأطفال الخدج، وتعيش على الأجهزة".
وأضافت بألم:" قال لي الأطباء إنها ستكون بخير وأمان داخل الحضانة، لكن اليوم بسبب ازمة الوقود أنا لا أشعر بالأمان على طفلتي، ففي أي لحظة ممكن أن تتوقف الأجهزة التي تعيش عليها وتفقد حياتها".
وأشارت إلى أن مُعاناتها وأمثالها من الأمهات اللاتي يرقد أطفالهن على أسرة المستشفى، باتت بسيطة مقارنة بالمخاوف التي تحتل قلوبهم وتشغل بالهم في ظل تفاقم أزمة الوقود في مستشفيات القطاع.
وأنهت حديثها قائلة:" ما في امان على حياة أطفالنا بالمستشفيات بسبب الأزمات المتكررة التي تعاني منها خاصة أزمة الوقود، أطفالنا مش بسهولة جبناهم، مين سيتحمل مسؤوليتهم لو أصابهم مكروه؟"، وتتساءل بغضب "أيعقل أن يموت أطفالنا فقط لأنه لا يوجد وقود لتشغيل مولدات الكهرباء؟".
تداعيات كارثية
وحذرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، من "التداعيات الكارثية" لاستمرار أزمة نفاد الوقود اللازم للمستشفيات، على المرضى في القطاع.
وأكد أشرف القدرة المُتحدث باسم وزارة الصحة بغزة، أن المستشفيات والمرافق الصحية بالقطاع دخلت مرحلة العد التنازلي جراء أزمة الوقود الخانقة، فمنذ يومين أعلنا العد التنازلي في مستشفى الهلال الاماراتي، وأمس أعلناه بمستشفى بيت حانون الذي لم يتبق لها سوى يومين إضافيين.
وحذر القدرة لـ"الاستقلال"، من التداعيات الخطيرة والكارثية على المرضى وكافة المرافق والخدمات الصحية جراء توقف المولدات الكهربائية خلال بضعة ساعات أو أيام، نتيجة استمرار أزمة نفاذ الوقود.
وأوضح أن الأزمة ستهدد حياة 800 مريض بالفشل الكلوي يرتادون 128 جهازاً لغسيل الكلى 3 مرات اسبوعياً منهم 30 طفلا، كما ستهدد حياة 100مريض داخل العنايات المُكثفة، إضافةً لـ120 طفل خدج في حضانات الأطفال، فيما ستوقف عمل 40 غرفة عمليات تجري 250 عملية جراحية يومياً، كما ستهدد حياة أكثر من 150حالة يومياً من السيدات الحوامل اللواتي يحتجن اجراء عمليات ولادة قيصرية.
وبين أن الأزمة ستفاقم الوضع الصحي لآلاف المرضى الذين يحتاجون فحوصات مخبرية ووحدات دم يومياً عند توقف عمل 50 مختبراً طبياً و10 بنوك دم في مرافق وزارة الصحة، لاسيما توقف محطات الأكسجين والتعقيم والمغاسل والخدمات المساندة في المستشفيات.
وأشار الى أن الازمة ستفاقم الوضع الصحي لآلاف المرضى الذين سيحرمون من الخدمات التشخيصية في اقسام الاشعة بمستشفيات القطاع ، كذلك سيحرم عشرات المرضى من خدمات القسطرة العلاجية و التشخيصية يومياً.
ودعا كافة الجهات المعنية على المستوى المحلى والإقليمي والدولي لدراسة الازمة وإغاثة المرضى، بتوفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية، لافتاً إلى أن الاستهلاك الشهري للوقود 300ألف لتر من السولار بعد التحسن الذي طرأ على جدول الكهرباء خلال الفترة الأخيرة عبر المنحة القطرية، فيما كان الاستهلاك قبل التحسن 540ألف لتر.


التعليقات : 0