غزة/ دعاء الحطاب:
ما أن تشرق شمس الصباح في قطاع غزة، حتى تجثوا العزيمة و الإرادة فوق ملامح الشقيقين صهيب و نزيهة قديح، لتكسر ما بداخلهما من الآلام والاوجاع في مشهدٍ يحمل بين طياته قصة تمرد على الواقع المرير الذي يعيشانه منذ بَتْر قدميهما برصاص الاحتلال الاسرائيلي خلال مسيرات العودة الكبرى و كسر الحصار على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وقصه أخرى مليئة بالآمال والأحلام.
فالشاب صهيب (33 عاما) يسير متكأً على عكازة و سُلمه الصغير داخل أرضه الزراعية بخطواتٍ متثاقله، تارة يزرع أشتال الخضروات الموسمية المتنوعة، وتارة يحصد الثمار ويضعها برفق في صناديق خشبية وبلاستيكية لبيعها للتجار في الأسواق، وبالرغم من بتر قدمه الأيمن وصعوبة حركته، إلا أن عزيمته لا تقل قوة عن جذور الاشجار التي غرسها بيده.
وهناك على الجهة المُقابلة، كانت نزيهة (38 عاما) تفترش الارض بين أشتال" البامية، والفاصولياء، والقمح" لحصد ثمارها والسعادة تزين ملامح وجهها المُتعب، لتشد من عضض شقيقها الوحيد وتُساعده في توفير لقمة العيش الكريم لعائلتهما، معلنان انه لا سبيل للتفريط بأرضهما مهما بلغت التضحيات، فكل شجرة روتها دماء الفلسطينيين باتت تمثل رمزاً لتمسك بالأرض والتجذر فيها رفضا لكل محاولات اقتلاع الفلسطيني من وطنه.
ولا يترك الشقيقان قديح موسماً زراعياً إلا يعملان على المشاركة فيه رغم رصاص الاحتلال الذي ترك جرحا غائرا في جسدهما، لكنه لم يتمكن من خدش عزيمتهما و رغبتهما في الاستمرار بالحياة بحلوها و مرها.
مرارة الألم
ويروي صهيب تفاصيل معاناته لـ" الاستقلال":" في اليوم الأول لمسيرات العودة 30/ 3، توجهت للمشاركة كونها سلمية ولا يوجد أي خطر علينا، لكن للأسف بعد صلاة الجمعة على الحدود تفاجأنا بإطلاق الرصاص الحي و قنابل الغاز اتجاهنا بشكل كثيف جداً من قبل جنود الاحتلال".
ويتابع بألم:" في تلك اللحظة شعرت أن الحرب وقعت، صراخ الاطفال والنساء، والمُصابين و الشهداء في كل مكان، واصوات القنابل والرصاصات، جميعها جعلتني أتحرك لانقاذ و نقل الجرحى بلا وعي، وأثناء نقلي لفتاه عالقة قرب السياج الفاصل أُصبت بعيار ناري متفجر أدى لتهتكات شديدة في قدمه اليمنى وإصابات من الشظايا بقدمه الأخرى".
خيم الصمت على أجواء الحديث للحظات، فيما كان يشير صهيب لساقه، وقال: " نُقلت للمستشفى و خضعت لعدة عمليات جراحية، وبعد 9 أيام أبلغني الأطباء بأنهم مضطرون لبتر ساقي من فوق الركبة، خشية امتداد الالتهابات إلى باقي جسدي"، مستدركاً :" لم يكن أمامي خيار سوى الموافقة، بتروها لكن رغم الألم والمرار الحمد لله على كل حال".
وأضاف بحزن:" بعد بتر قدمي جلست في المنزل مدة ثلاثة أسابيع، شعرت فيها أنى عاجز وعبء ثقيل على من حولي، لم أستطع تحمل فكرة أن أكون سجين لإصابتي وعكازي، وخاصة أنني الامل الوحيد لعائلتي بتوفير مصدر الرزق لهم خاصة في ظل الوضع الصعب الذي نعيشه".
وأوضح انه بالرغم من اصابته بالبتر يواصل المشاركة في مسيرات العودة، ولم ينقطع عن المشاركة ليوم واحد، سواء داخل مخيمات العودة أو فعاليات الإرباك الليلي أو المسير البحري، تأكيداً لحقه بالعودة لبلادة المحتلة و رفضاً لسياسة الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة.
الارادة لا يموت
" صهيب" المُعيل الوحيد لعائلته المُكونة من 14 فردا" الأب والأم و 4 أخوات ، وزوجتين و 6أطفال"، لم يبق سجيناً لأصابته و منزله دون أي عمل في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أهالي القطاع، بل قرر اكمال مسيرته في الزراعة ليوفر لقمه العيش الكريم لعائلته الكبيرة، من عرق جبينه وصنع يده دون الحاجة للأخرين .
ويقول:" عندما قررت أن أعود لممارسة عملي بالزراعة بشكل طبيعي كأنني لم أصب، الجميع لم يتقبل الفكرة و قالوا انه متعب ولا أستطيع تحملها، فأنت لم تعد كالسابق، حينها شعرت بالإحباط لحدٍ ما وخشيت أن أفشل لكن جازفت".
بنبرة فخر وعز، أردف:" عندما عُدت للعمل بالأرض كان موسم قطف الزيتون، فرشت الأرض بالنايلون برفقه عائلتي كالمعتاد، وبدأت أتعكز على سُلمي الصغير وأصعد عليه بحذر، حتي تمكنت من التسلق على الشجرة، حينها أيقنت أن صاحب الارادة لا يموت"، مُشيراً الى أنه منذ تلك اللحظة انكسر حاجز الخوف والعجز لديه و عاد لحياته بشكلٍ طبيعي، رغم المعاناة والألم الشديدين لعملة بقدمٍ واحده.
وأكد صهيب تحمل الكثير و تحدي اصابته حتى لا يبقي أسيراً لها أو يقف عائقاً أمام مستقبله و عائلته، مضيفاً :" لقمة العيش مرة مش بالساهل بتيجي ، الواحد لازم يضحي مهما كانت الظروف حتى يعيش هو وعائلته بكرامة ، العمل بالزراعة قاسي جدا مع الاصابة لكن الحمد الله".
وأوضح صهيب أن تمسكه بزراعة أرضه رغم الإصابة، يوصل من خلاله رسالة لقادة الاحتلال الاسرائيلي و العالم أجمع مفادها:" أن الفلسطيني مُتجذر بأرضه مهما كانت الظروف و مهما بلغ عجزة لن يتنازل عنها، فقلبه وعقله مُعلق بها".
تحدٍ واصرار
بعد بتر قدمها وفقدان قدرتها على العمل، كان من المُفترض أن تجلس "نزيهة" بالمنزل كباقي شقيقاتها، لكنها فضلت أن تُكابر على ألمها وإصابتها بالبقاء في أرضها برفقة شقيقها ،" صهيب"، مُعتبرة أن عملها بالزراعة يُحي الأمل بقلبها و يكسر جبروت الاحتلال الذي اعتقد أنه برصاصةٍ يستطيع تحويلها لمُجرد عدد على الشعب الفلسطيني.
"نزيهة" ينطبق عليها مقولة " امرأة بمئة رجل"، فهي تتنقل بين الأشجار تقطف ثمارها كخلية نحلٍ بأكملها، بعيداً عن استخدام عُكازها الذي يُذكرها بمُعاناتها التي بدأت بعد بتر قدمها برصاص الاحتلال خلال مشاركتها في مسيرة العودة بتاريخ 14/ 5.
وتقول خلال حديثها لـ" الاستقلال": " منذ سنوات أُساعد شقيقي بزراعة الأرض و حصادها لتوفير احتياجات عائلتي، كنت كل يوم أذهب للأرض من الفجر لأذان المغرب دون الشعور بالتعب أو الملل، لكن حياتي صارت صعبة جداً بعد بتر قدمي، فاليوم أعمل ساعات قليلة وأشعر بتعب كبير".
وأردفت بصوت خافت "الاحتلال حرمني من قدمي، وأن أكون انسانة بصحة كاملة، لكن لم يستطع حرماني من أرضي، الحمد الله قدرت أتحدي اصابتي وأرجع أشتغل بارضي حتي لو كان بجزء بسيط ".
وأشارت الى أن الوضع الاقتصادي السيء في قطاع غزة وانعدام مصادر الدخل أجبراها على العمل في الزراعة برفقه شقيقها.
وبينت أن أغلب عملها في الزرعة تؤديه وهي جالسة، لكونها لا تمتلك طرف صناعي، بل تعتمد على عكازها بشكل كلي ، خاصة أن عملها تمارسه بطريقة تقليدية، ولا توجد أي أدوات حديثة تساعدها وشقيقها في التغلب على معاناة اصابتهما في العمل .
وفي نهاية حديثها ناشدت الفصائل و الجهات الرسمية بالوقوف بجانب جرحي مسيرات العودة و توفير الاطراف الصناعية ذات الجودة العالية و المُناسبة لهم، يكي يتمكنوا من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي و دون أي معاناة.


التعليقات : 0