غزة/ دعاء الحطاب:
على شاطئ البحر يجلس الشاب محمد مسلم وعائلته الصغيرة حول مائدة إفطار تتزين بأشهى أصناف الطعام والشراب الفلسطيني، استعداداً لسماع الأذان وبدء تناول وجبة الإفطار بشكلٍ عائلي جميل، وسط أجواءٍ رمضانية رائعة تُدخل في نفوسهم فرحةً وسعادةً غامرة، بعيداً عن ضجيج الحياة بغزة.
"مسلم" واحدةٌ من ألاف العائلات بعزة التي لجأت للإفطار على شاطئ البحر، في محاولة لخلق أجواءٍ مُمتعة ومُريحة، في ظل تزايد الهموم عليهم بشهر رمضان، واشتداد وطأة الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم منذ 13 عاما، واستمرار الإجراءات العقابية التي تفرضها السلطة الفلسطينية ضدهم، إضافة لسوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي استهلكت جيوبهم.
وما أن تقترب كرة الشمس من السقوط في البحر، حتى تمتلئ شواطئ القطاع بسكانه، يُحضرون طعامهم وشرابهم ويأتون جماعاتٍ وفرادا ليتناولوا طعام فطورهم ويقضون ساعاتٍ طويلة هرباً من عتمة منازلهم وضيق مساحتها، وضنك الأوضاع المعيشية التي خلفها الحصار الإسرائيلي.
المتنفس الوحيد
ويتخذ مسلم الذي يُعيل ثلاثة أطفال من البحر مكاناً للترفية من جهة، والتخفيف من أعباء الحياة من جهةٍ أخري، معتبراً إياه المُتنفس الوحيد الذي اعتاد أن يُلقي به همومه مهما ثقلت.
ويقول مسلم خلال حديثة لـ"الاستقلال": "الحياة بغزة أصبحت ثقلية جداً على قلوبنا، بطلنا نتحمل ما في شغل نوفر منه رزق أولادنا أو نزههم بالأماكن الترفيهية، ما في كهرباء ولا هوا، احنا محتاجين نشوف الطبيعة عشان نرتاح نفسياً ونخفف من همومنا، البحر مُتنفسنا الوحيد في هيك وضع".
وأضاف: "معظم أيام رمضان نتناول وجبة الإفطار على البحر، منه ترفيه عن أطفالي والجلوس مع عائلتي على طاولة واحدة بأجواء مُريحة وسعيدة"، مستدركاً:" على البحر بأنسي همومي خاصةَ لما أشوف الضحكة على وجوه أطفالي، بدلاً من صراخهم وبكائهم طول الوقت بالمنزل".
وأوضح أن الإفطار على شاطي البحر لا يُكلفه الكثير في ظل الأوضاع المادية الصعبة التي يُعاني منها بعدما تعطل عن العمل، فزوجته تقوم بتحضير وجبة الطعام بالمنزل وبعض المُسليات والمشروبات، ويجلسون بشكلٍ بسيط ومتواضع على الشاطئ بعيداً عن الازدحام و والاستراحات.
انتزاع الحياة
وبجوار إحدى الخيام المنصوبة على شاطئ بحر النصيرات، انهمكت الفتاة ألاء أبو الروس وشقيقاتها بتجهيز مائدة الإفطار، فيما نشط أخوتها الشباب كخلية النحل بشواء اللحم والدجاج على "كانون النار" وسط ضحكاتٍ تخرج من أعماق قلوبهم، فهنا ينتزعون الحياة من براثين الحصار وضيق الحال.
وتقول أبو الروس خلال حديثها لـ"الاستقلال":" أجواء رمضان مع العائلة تكون مُختلفة ومُميزة جداً عن باقي أشهر السنة، فجميعنا نجلس على مائدة واحدة بالإفطار والسحور، نتبادل أطراف الحديث والضحكات تُزين ملامحنا، لكن للأسف الازمات التي نعيشها بغزة خاصة مع قطع الكهرباء واقتطاع الرواتب وانعدام فرص العمل تسلب هذه الأجواء".
وتتابع بسعادة:" أصبحنا نُفضل الإفطار على شاطئ البحر حتى ننتزع الحياة والفرحة من كُل ما يُنغص علينا أجواء رمضان، فهنا ننعم بالهدوء والسكينة، ونتشارك جميعنا بإعداد وجبة الإفطار، كذلك نتبادل الأحاديث والأطفال يلعبون حولنا".
وأكدت أن كافة مُحاولات الاحتلال للتضيق علينا، لن تسرق من الغزيين حياتهم، فهم يُحاولون الخروج من بوتقة الظلم والحصار بفعل أشياء بسيطة تمدهم بالقوة، وتمنحهم الصبر على ما يعيشونه، كـ"الإفطار على شاطئ البحر، ومُراقبة غروب الشمس، وشُرب الشاي جماعةً".
كسر الروتين
وما إن تختبئ الشمس بين أمواج البحر، حتي يبدأ الشاب إسماعيل قديح وأصدقائه بوضع ما أحضروه من طعامٍ وشراب على حصيرٍ مُهترئ فوق رمال الشاطئ، ليتناولوا وجبة افطارهم وقضاء ساعاتٍ طويلة هرباً من عتمة منازلهم وكسراً للروتين اليومي الذي يعيشونه.
ويقول قديح خلال حديثة لـ"الاستقلال":" الافطار مع الأصدقاء له أجواء مميزة وجميلة على البحر، فهو المكان الذي نتنفس فيه قليلاً بعيداً عن بيوتنا المُعتمة طوال الوقت، اضافةً للهروب من الروتين اليومي الذي نعيشه ونُسجن به في ظل الازمات الكثيرة التي نعاني منها بالقطاع".
وأردف:" تخرجت من الجامعة منذ 4 سنوات وحتى اللحظة لم أجد أي فرصة عمل بمجال التعليم، طول الوقت جالس بالبيت ولا أعلم أين أذهب؟، فغزة ضيقة جداً؛ مُحاصرة مليئة بالمُعاناة، والان في رمضان أجد البحر مهربي الوحيد من الشعور بالعجز والضجر".
وأعرب قديح عن مدى سعادته وارتياحه بالإفطار على شاطئ البحر برمضان:" على الرغم من الازدحام الذي يشهده الشاطئ يومياً قبل أذان المغرب، إلا انه يستمتع كثيراً بهذه الفرصة خاصة وانه يكمل السهرة في أجواء مميزة تنسيه ضغوط الحياة".


التعليقات : 0