غزة/ دعاء الحطاب:
بات الاصطياف على شاطئ بحر قطاع غزة، المتنفس الوحيد للغزيين في فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة، رحلةً محفوفة بالمخاطر، نتيجة ضخ ما يزيد عن 120 ألف لتر من مياه الصرف الصحي بداخله يومياً، مما تسبب بإصابة عشرات الأطفال بأمراضٍ جلدية ومعوية بعد ذهابهم للاستجمام والسباحة.
وكشفت دراسة محلية حديثة، عن وجود طفيليات و"البوغيات الخفية" والعدوى الأميبية وجميعها آدمية معدية، مسببة للمغص والإسهال والنزلات المعوية، ولاحظت انتشاراً كثيفاً لطفيل "البوغيات الخفية" في 50% من إجمالي مساحة شاطئ بحر غزة.
وتكشف الدراسة التي أجريت أواخر 2018، عن مؤشرات خطيرة لتصاعد تلوث بحر غزة، حيث تضخ ثمانية مصبّات رئيسية، وتسعة فرعية، وستة ثانوية، مياهاً عادمة في بحر غزة، الذي يصل طول شاطئه إلى 42 كيلومتراً على مدار الساعة بكميات تصل حتى 120 ألف متر مكعب يومياً، مليئة بالملوثات الميكروبولوجية والكيميائية.
ورصدت الإدارة العامة لحماية البيئة التابعة، لسلطة جودة البيئة الحكومية ارتفاع خطيراً في مستويات تلوث مياه البحر، في عامي 2017 و2018، إذ تراوحت ما بين 60% و75% من إجمالي الشاطئ، والذي كشف عنه بهاء الدين الأغا المدير العام للإدارة، في حين أظهرت نتائج الفحوصات التي أجريت خلال شهري أبريل/ نيسان، ومايو/ أيار من العام الجاري.
مرض معوي
"فور عودتنا من شاطئ البحر فوجئت بانتشار البثور الحمراء على أنحاء متفرقة من جسم اثنين من أبنائي، عوضا عن ارتفاع في درجات حرارتهما وإصابتهما بالمغص الشديد والإسهال"، هذا ما قالته المواطنة أم فراس النمروطى من مُخيم النصيرات وسط قطاع غزة لـ"الاستقلال".
وتابعت "أمضيت ليلة كاملة وأنا أحاول خفض حرارتهما باستخدام الكمادات الباردة ودواء خافض للحرارة، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، ومع بداية صباح اليوم التالي، سارعت بهما إلى عيادة متخصصة بالأمراض الجلدية، حيث أكد لي الطبيب هناك إصابتهما بمرض معوي نتيجة تعرضهما لمياه البحر الملوثة.
ولفتت إلى أن رحلة العلاج لابنيْها استغرقت نحو أسبوعين، معربة عن استيائها الشديد من هذه الحالة من التلوّث التي وصل لها بحر غزة، المتنفس الوحيد لأهالي القطاع.
طفيليات تنشر الأمراض
وبدوره، أكد مدير التوعية البيئية لدى سلطة جودة البيئة د. أحمد حلس أن بحر غزة لا زال يتلقى يوميا ما يزيد عن 120 ألف لتر مكعب من مياه الصرف الصحي، عبر عدة مضخات مُرتبطة بمحطات الصرف الصحي والمعالجة، وأخرى مرتبطة بمخضات الرافع.
وشدد حلس خلال حديثه لـ"الاستقلال" على أن هذه الكمية من المياه العادمة تحمل بين طياتها كافة أنواع التلوث الحيوي" الميكروبات، الجراثيم، الفيروسات، والطفيليات مثل ( البوغيات الخفية، والجارديا، العدوي الأميبية)، والتلوث الفزيائي، وكذلك التلوث الكيميائي الذي يُعتبر خطير جداً لاحتواء المياه العادمة على عناصر ثقيلة وموادا عضوية وسامة تدخل في الصناعات المختلفة".
وأوضح أن كافة أنواع الطفيليات آدمية مُعدية، تتسبب في مجموعة من الأمراض والأعراض مثل (المغص، إسهال دموي مُخاطي، النزلات المعوية، الإمساك، متلازمة القولون المتهيج، ومشاكل في الجلد، زيادة في مستوى الحمض في الدم).
وأشار إلى أن الطفيليات تصل إلى الجسم عبر الجهاز الهضمي عن طريق "ماء أو طعام ملوث"، تتسبب بإسهال ممزوج بالمخاط والدم لدى البعض، وقد تتطور الحالة للتأثير على امتصاص الغذاء في الأمعاء مما يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة لدى الأطفال والإصابات المتكررة بالالتهابات، كذلك يُمكن أن تصل عبر الأذنين وتسبب التهابات بالأذن الوسطى.
وبين أن التلوث لا يقف بمنطقة مُحددة، فمياه البحر مُتحركة، وهناك تيارات حمل تتحرك باتجاه عكس عقارب الساعة (من الجنوب إلى الشمال) بالتالي تحمل المُلوثات والميكروبات من مصبات المياه العادمة؛ لتنتشر على طول الساحل، مُؤكداً أن المناطق المجاورة للمصبات تُعتبر أخطر المناطق ويُمنع فيها السباحة وصيد الأسماك.
وأكد حلس، أن نسبة تلوث مياه البحر هذا العام أسوأ من السنوات الماضية، مُرجعاً السبب بذلك إلى اهتراء وقِدم محطات معالجة المياه العادمة في القطاع، فهي بحاجة إلى تطوير استراتيجي يواكب القدرة على مُعالجة الكميات الهائلة التي تصلها من مياه عادمة، خاصةً مع تزايد عدد السكان كُل عام لـ60-70 ألفاً.
ومن جملة الأسباب كذلك، انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة مما يُعيق عمل محطات المعالجة بشكل مًستمر، إضافةً إلى عدم قدرة محطات الصرف الصحي بالقطاع على مُعالجة الكائنات الدقيقة، وهذا خلل كبير وخطير جداً ضمن منظومة التنمية. وفق د. حلس.
وحذّر المصطافين على شواطئ بحر غزة من الاقتراب من مصبات المياه العادمة، مطالباً إياهم بالابتعاد قدر الإمكان عن الأماكن الملوثة التي حددتها سلطة جودة البيئة سابقًا، والالتزام بالإرشادات واليافطات الموجودة على شواطئ البحر، واستخدام حواسهم (الشم والرؤية) بمعرفة المناطق الملوث.


التعليقات : 0