أوفت بوعدها لوالدها الأسير

"جمانة أبو جزر".. حكاية تفوّق تحدّت ألم الفقد والفراق

محليات

غزة/ دعاء الحطاب:

كبُرت وكبُر الهَم معها، لكنها لم تيأس أو تستسلم، وضعت حُلماً نصب عينيها وسعت لاستكماله، وكلما تكاسلت أو واجهتها ظروف عصيبة تستذكر صورة والدها الأسير خلف قضبان الاحتلال، وجعلت من هذا المشهد حافزاً كي تواصل مسيرتها التعليمية، وصولاً إلى دراسة طب الأسنان.

 

الطالبة المتفوقة جمانة أبو جزر، تلك الفتاة الصغيرة التي عاشت اليُتم والحرمان عقب فقدان والدتها وهي صغيرة لا تتجاوز الأربعة أشهر، وتغييب الاحتلال الإسرائيلي لوالدها في سجونه منذ 18 عاماً مضت، وقفت اليوم تحتفل بتفوقها في الثانوية العامة "التوجيهي" بحصدها معدل 92.6% في الفرع العلمي، رغم كل الصعاب.

 

وبمجرد أن زُفّ لـ"جمانة" خبر تفوقها، أسرعت لعناق جدتها الثمانينية "مريم أبو جزر" لتمتزج دموع الفرح ولوعة الفراق معاً، لتسترجع خلالها السنوات التي مرت قبل أن تحقق ما كانت ترغب به، أمّا أمام منزلها فقد كان المشهد مختلفاً، فالألعاب النارية تزين السماء، وأصوات الزغاريد تعلو في الأرجاء، وبكل حب التفّ حولها المهنئين، وتزينت ملامحهم بالابتسامات؛ لترسم كل معاني الفرح والسعادة بتفوقها، وكأنه كان يوم عيد لهم".  

 

سر التفوق

 

"جدتي هي الداعم الأول لي، وهي من وقفت بجانبي وساندتني طوال الأعوام الماضية، وشجعتني على الدراسة والتفوق وحفظ القرآن وتعلمه، وهي سر تفوقي"، بتلك الكلمات بدأت "جمانة" حديثها لـ"الاستقلال".

 

ولم تحظى عيني "جمانة" بقسط من الراحة طوال ليلة إعلان نتائج الثانوية العامة التي وصفتها بـ"الكابوس" حتى وصل نبأ تفوقها لتنهار بالبكاء فرحًا وحزنًا على فراق والدها الأسير في سجون الاحتلال، أملًا في تحرره لمشاركتها هذه الفرحة.

 

وقالت جمانة لـ"الاستقلال": "قبل خمس سنوات، حينما كنت أبلغ من العمر 12 عاما سمح الاحتلال لي بزيارة والدي في السجن بعدما كنت ممنوعة أمنيا، لمدة نصف ساعة فقط، فقال لي أبي: "أمنيتي أن تصبحي طبيبة أسنان".

 

وتتابع: "بقيت كلمات والدي أن أصبح طبيبة أسنان ترنّ في أذني وحرصت على أن أحقق له حلمه، حيث اجتهدت في دراستي وتفوقت في الثانوية العامة وحصلت على معدل يؤهلني لأن التحق بكلية طب الأسنان"، مستدركة:" وتقول: "كوني بنت أسير فقد كان أكبر دافع كي أتفوق، ووالدي فهو سر نجاحي".

 

ولم تجد "جمانة" كلمات تعبّر عن مدى فرحتها وسعادتها بالتفوق، مضيفة: "الفرحة بالنجاح والتفوق لا مثيل لها ولا يمكن وصفها ببضعة كلمات، فقد حصدت ثمرة تعبي وسأحقق أمنية أبى"، لافتة إلى أنها تغلبت على الظروف وصنعت منها عاملاً مهمًا لنجاحها وتفوقها.

 

وأكدت أنها كانت تتمنى أن يكون والدها بجانبها يشاركها فرحة النجاح، موجهة رساله إليه مفادها:" افتخر يا بابا ببنتك.. رفعت رأسك وحققت حلمك، وراح أصير طبيبة أسنان".

 

وأهدت "جمانة" نجاحها لوالدها الأسير ولكافة الأسرى في سجون الاحتلال، ولجدتها التي قدمت لها الدعم والمساعدة على جميع المستويات ولكافة أبناء الشعب الفلسطيني المناضلين المكافحين الذين يتحدون الصعاب في سبيل تحقيق مرادهم.

 

ابنة فلسطين

 

أما الجدة مريم فلم تسعها الدنيا من شدة الفرحة، ولم تتوقف عن الزغاريد فرحًا بنجاح حفيدتها، كيف لا وهي التي احتضنتها منذ اعتقال والدها ووفاة أمها واستشهاد جدها وعمها الذي رباها لعمر 8 سنوات.

 

وقالت أبو جزر "شعوري بتفوق جمانة لا يمكن وصفه، ولا أستطيع أن أعبر عن فرحتي بنجاحها"، مضيفة: "أفتخر أنني ربيّت جمانة وحافظت عليها وشوفتها بأعلى المراتب، حفظت كتاب الله، واليوم أتمت رسالتها بالتفوق في الثانوية لتحقيق أمنية والدها". 

 

وتتابع: "ربيت بنتي أحسن تربية، وأقسمت أن أحافظ عليها، لأنها أغلى من أولادي، ربنا أكرمها بي وهي كذلك، وهي ليست أبنتي فحسب، بل ابنة فلسطين المضحية المكافحة التي كابدت مرار الفراق والحرمان".

 

وأوضحت أن "جمانة" عاشت حياة الفقد والحرمان والمأساة منذ صغرها، فقد توفت والدتها وعمرها أربعة شهور، فيما اعتقل والدها وهي أقل من عام، وتوفى جدّها الذي تولى تربيتها وهي ذات الأربع أعوام، كما استُشهد عمها أيمن الذي تولى رعايتها وتربيتها حتى سن الثامنة، قبل أن تغتاله "إسرائيل"، ورغم ذلك تغلبت على ظروفها و ضحت بكل شيء لتحقيق امنية اباها في سجنه، لأنها أمله الوحيد.

 

وأنهت حديثها قائلة: "جمانة ليست بنت عائلة أبو جزر أو الأسير علاء هي ابنة فلسطين وفرحتها هي فرحة لكل الفلسطينيين وهدية لوالدها في سجنه ولكل الأـسرى في سجون الاحتلال".

 

ويقضي أبو جزر حكما بالسجن لمدة 18 عاما لمشاركته في مقاومة الاحتلال، حيث من المقرر أن تنتهي مدة محكوميته بعد خمسة شهور.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق