خطر يهدد صانعها ومستخدمها

 المنظفات المصنعة يدوياً.. سموم تطرق منازل الغزيين

 المنظفات المصنعة يدوياً.. سموم تطرق منازل الغزيين
محليات

الاستقلال / جيهان كوارع

من مدخل المنزل إلى كافة زواياه تتوزع الزجاجات البلاستيكية الملونة والأواني الحديدية والبلاستيكية، بجانب المواد الكيمائية التي لم تجد لها مكاناً تحفظ به إلا أن تلقى على الأرض وبشكل عشوائي، وبالكاد أفسحت مجالاً للعبور من بينها إلى داخل المنزل، الذي تحول إلى ما يشبه مصنعاً صغيراً لإنتاج المنظفات، كمصدر دخل ومهنة يعتاش منها المسن محمد كوارع في قطاع غزة.

 

وانتشرت مؤخراً في القطاع، المنظفات المصنعة منزلياً بلا ترخيص، والتي يعاد تعبئتها بعبوات بلاستيكية فارغة، وتباع بطرق عشوائية وغير شرعية من دون ذكر مصدرها ومكوناتها، لكنها تجد لها زبائنها ومستهلكيها في الأحياء الشعبية وبين محدودي الدخل ممن يشترونها ويفضلونها لتدني سعرها وهو ما يشكل خطورة كبيرة على صحتهم.

 

مصدر دخل

 

المسن كوارع (77 عاماً)، الذي لم يجد سوى هذه المهنة، التي يسكن الخطر في جميع جوانبها لتكون مصدر دخل له ولأسرته، يرى أن العمل في هذا المجال بسيط ولا يتطلب منه جهد إلا الخروج لشراء المواد الخام من أحد المصانع الكبيرة والبحث عن زجاجات بلاستيكية فارغة لتعبئتها.

 

ويقول كوراع لـ "الاستقلال"، "بعد أن أغلقت كل أبواب العمل في وجهي نظراً لتقدمي في السن ولصعوبة الظروف المعيشية التي يعاني منها قطاع غزة، لم أجد سوى هذه المهنة لإعالة أسرتي".

 

وتحدث عن مشواره في صناعة المنظفات المنزلية قائلاً: " كنت خلال مرحلة شبابي عاملا في أحد مصانع المنظفات داخل الاراضي المحتلة عام 1948، ومنها اكتسبت خبرة في مجال صنع المنظفات، والتي بدأت استعيد ذاكرتي من جديد لتصنيعها وامتهانها من جديد لتوفير قوت يومي دون أن احتاج مساعدة من أحد".

 

وعن طبيعة المواد المستخدمة في التصنيع، أوضح أنها مواد عالية التركيز ومنها مادة الايتا ومادة اللابس والصودا الكاوية بالإضافة إلى مادة الكلوريكس المركزة.

 

معايير عشوائية

 

وفيما يتعلق بآلية التصنيع فإنها تقوم على خلط المواد الكيمائية مع بعضها البعض وتذويبها في ماء ساخن مع اضافة كميات قليلة من ملح الطعام والألوان الصناعية ولكن تبقى معايير معادلة المواد مع بعضها البعض عشوائية تعتمد بالدرجة الأولى على رؤية المسن كوارع وعلى وزن الخليط الناتج وتركيز رائحته.

 

ويقول كوارع: "أقوم بخلط المواد ببعضها دون مقادير محددة لوزن وطبيعة المادة، فالذي يهمني الخروج بمنظف له لون ورائحة مقبولة لدى الزبائن، وأحياناً يعطيني صاحب المصنع الذي يزودني بالمواد الخام بعض النصائح لضبط المنتج لكن التزامي بها قليل".

 

وعن سبب اقبال الناس على شراء المنظفات منه أشار كوارع، إلى أن السبب الأول والأخير، هو أن هذه المنظفات رخيصة الثمن ومناسبة لظروفهم وأوضاعهم الاقتصادية، بالمقارنة مع المنظفات العالمية والمستوردة من الخارج والتي يفوق سعرها إمكانياتهم المادية"

 

مرض مزمن

 

رائحة الكلور المنتشرة بالمكان، والتي تختلط برائحة مواد التنظيف الاخرى وكأنها تتعارك معها لتثبت نفسها، ويميزها كل من يمر بجوار المنزل أو يدخله، أصبحت علامة مميزة لمنزل زهرة العمور (40 عاماً) والتي تعمل في صناعة المنظفات داخل منزلها منذ 20 عاماً، غير مكترثة بالمرض المزمن الذي لازمها منذ امتهانها هذه المهنة.

 

وتقول العمور لـ "الاستقلال"، وهي تحرك يديها الجافتين والتي أصبحت الأصباغ جزءاً يزول من عليهما، في حوض بلاستيكي لإذابة مادة الايتا في الماء للحصول على سائل البريل المستخدم في الجلي: "لقمة العيش صعبة وكلها مخاطر ولكن لا يوجد غير هذا المجال من أجل توفير احتياجات بيتي وأسرتي"، مشيرة إلى أنها اكتسبت الخبرة في صنع المنظفات من والدها الذي كان يعمل في هذه المهنة سابقاً.

 

وتضيف العمور: "بداية كل أسبوع أقوم بشراء المواد الأساسية بسعر بسيط لا يتعدى الـ10 شواكل، لأصنع كميات من الكلور وسائل الجلي والارضيات وبعض المعطرات، ومن ثم أقوم بتعبئتها في زجاجات المشروبات الغازية الفارغة وأرسلها مع أبني لبيعها في الشوارع والأزقة القريبة من المنزل"، مشيرة إلى أن سعر بيعها بسيط جداً ولكنه يغطي تكلفة تصنيعها ويسد حاجات ابنائها المعيشية.

 

 وعن المخاطر الصحية، التي تعرضت لها العمور نتيجة عملها أكدت أنها أصيبت يداها بحساسية مزمنة وبجفاف نتيجة الاستخدام المفرط للمواد الكيماوية، وأصيب أحد أبنائها بالتهابات رئوية حادية بسبب تعرضه المستمر للغازات المتصاعدة خلال عملية التصنيع.

 

 وأعربت العمور، عن رغبتها في التوقف عن صناعة المنظفات وبيعها ولكن هذا يعني فقدان المصدر الوحيد لدخلها.

 

ضحية المنظفات

 

المواطنة نهى مصبح، والتي داومت على استخدام المنظفات المصنعة منزلياً، اقتنتها بسعر قليل، لتكون نقمة كلفتها الكثير من النفقات لعلاج مرضها الجلدي.

 

تقول مصبح: "انتشرت في يدي أعراض مرضية تشبه الحساسية وبعد ذهابي للطبيب أخبرني بإصابتي بمرض الاكزيما نتيجة استخدام المنظفات ونصحني بالابتعاد عنها".

 

 وتابعت "خضت رحلة علاج طويلة للتخلص من هذا المرض وأنفقت خلالها الكثير من الاموال وترددت على عيادات اطباء الامراض الجلدية، ولكن بقيت تأثيرات الحلول العلاجية مؤقتة وغير نهائية".

 

ولفتت مصبح، إلى أنها توقفت عن اقتناء المنظفات التي تباع على أبواب المنازل أو على مركبات الباعة المتجولين، واضطرت لشراء المنظفات المستوردة او المحلية المصنعة في مصانع مخصصة لها، مطالبة بضرورة وجود رقابة من الجهات المعنية على الأفراد القائمين على تصنيع هذه المنظفات.

 

أمراض جلدية وتنفسية

 

بدوره أكد الدكتور عامر المصري أخصائي علاج الأمراض الجلدية على خطورة المواد الكيمائية المستخدمة في تصنيع المنظفات على الجلد، نظراً لاحتوائها على مؤثرات شديدة الحساسية تترك أثاراً سلبية على جلد الانسان.

 

وبين المصري في حديثه لـ" الاستقلال"، أن تأثير هذه المواد سلبي ويسبب أمراضاً جلدية ومنها الاكزيما والحساسية والحروق من الدرجة الاولى وبعض التشوهات كالجفاف.

 

 وفيما يتعلق بضرر مادة الكلوريكس المستخدمة في التصنيع والتي قد لا يخففها المصنعون بشكل مناسب قال المصري: " مادة الكلوريكس تؤدي إلى حروق والتهاب الجلد الثلاثية التي قد تتحول فيما بعد إلى مرض مزمن ".

 

وأوضح أن تأثير الأمراض المزمنة يبقى على طول المدى ويستلزم تكلفة وجهداً لعلاجه على فترات طويلة تختلف من حالة إلى أخرى ولكن لا تكون هذه الامراض معدية.

 

وشدد على أن الامراض الناتجة عن استخدام المواد المركزة تصيب جميع الافراد بينما يقتصر تأثير المواد المحللة والمخففة على بعض الافراد الذين يعانون من حالات خاصة كمشاكل حساسية والتهابات.

 

وكشف المصري، عن ارتفاع نسبة الاصابة بالأمراض الجلدية التي تشكل المنظفات سبباً رئيسياً في حدوثها بين النساء خاصة ربات البيوت منهن، وتترواح نسبة اصابتهن ما بين 3 إلى 10%  من مجمل الحالات.

 

وبحسب المصري فإن اثار استخدام المنظفات وتصنيعها لا تقتصر على الضرر بالجلد فقط بل تتعدى إلى الضرر بالجهاز التنفسي وينتح عنها الاصابة بضيق النفس والربو.

 

وختم حديثه بضرورة اتباع الاجراءات الوقاية التي تمنع حدوث الامراض ومنها استخدام القفازات والكمامات اثناء عمليات التصنيع وكذلك عدم استخدامها من قبل الافراد الذين يتحسسون من هذه المواد.

 

تفتيش ورقابة

 

من جانبه أكد المهندس نافذ الكحلوت، رئيس قسم المواد الكيميائية في دائرة حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد، على وجود طواقم مخصصة للتفتيش والرقابة على الأفراد المصنعين للمنظفات المنزلية غير الحاصلين على ترخيص مسبق.

 

 وأوضح الكحلوت لـ "الاستقلال"، أن الوزارة تفرض رقابة على دخول المواد الكيمائية عبر معابر القطاع، وأيضا على الجهات المسؤولة عن بيع هذه المواد بالإضافة إلى تنفيذ جولات رقابية داخل اسواق ومحلات قطاع غزة لضبط المنظفات غير القانونية واخضاعها للفحص والتحليل المخبري.

 

 ولفت الكحلوت، إلى أن نظام الرقابة يقوم أيضا على متابعة الشكاوى التي يقدمها المستهلك، ولكن الرقابة لا تستطيع أن تصل إلى منازل كافة الاشخاص الذين يصنعون هذه المنظفات ولا تستطيع التعرف عليها الا بعد تواجدها في الاسواق والمحلات".

 

وعن طبيعة المواصفات والمقاييس التي تضعها الوزارة لضبط المنتجات، أكد انها تختص بملاءمة المنتج لسلامة المستهلك ووزن المادة الفعالة المستخدمة في التصنيع وتجانسها، مشيراً إلى أن كل منظف له مواصفات معينة تختلف عن باقي المنظفات معتمداً بشكل أساسي على تركيز المادة الفعالة فيه.

 

ونوه الكحلوت، إلى أن هناك الكثير من الافراد الذين لا يلتزمون بهذه المواصفات وبالتالي تتخذ الوزارة الاجراءات القانونية ضدهم، ومنها اخضاع الافراد المخالفين لمحاضر ضبط تعتبر مستندات قانونية تحال إلى النيابة ومن ثم يتم تحويلها للقضاء لإقرار العقوبة اللازمة، كفرض غرامات مالية ومنعهم من العودة للتصنيع.

 

واعتبر الكحلوت، قيام الافراد بتصنيع المنظفات وتعبئتها في عبوات مستعملة سابقاً أمر ممنوع قانونياً، لان صناعة المنظفات تحتاج إلى جهات مختصة لصناعتها ومعادلة موادها الكيمائية المصنفة مواد مضرة اذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.

 

وطالب الكحلوت، المواطنين بالتوقف عن شراء المنتجات مجهولة المصدر والمصنعة منزلياً، مؤكداً على الدور الكبير الذي يقع على عاتق المستهلك في مساعدة الجهات القانونية للقضاء على هذه الظاهرة من خلال مقاطعة المنظفات المنزلية والتبليغ عنها.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق