غزة/ سماهر الخزندار:
تُشكل الإصابة بمرض يستدعي تدخل جراحي عام (غير تخصصي)، مصدر قلق كبير للسيدات في غزة، حيث تؤجل بعضهن جراحة أو حتى مجرد استشارة طبية، قد توفر عليهن الكثير من الآلام، فقط لعدم وجود أخصائيات جراحة عامة لا يتحرجن منهن أثناء الفحص السريري.
ورغم فتح المجال أمام الفتيات لدراسة الطب في جامعات القطاع المختلفة، يفضل معظمهن تخصصات أقل ضغطاً وأكثر هدوءً من تخصص الجراحة العامة، الذي عادة ما تكون مناوباته مرهقة وحافلة بأحداث ومشاهد صادمة أكثر مقارنة بالتخصصات الأخرى.
ويعود السبب الشائع لندرة التخصص بين الفتيات إلى أنهن يهربن من التخصص المحفز للأدرنالين بحثاً عن السلام والراحة، إلا أن عدداً لا بأس به من الطبيبات يلقين باللوم على طغيان "ذكورية" بيئة العمل، واستخفاف زملاء المهنة بقدراتهن.
حكر على الرجال
"إن أعظم متعة في العالم هي أن تقوم بما قال الناس أنك لن تستطيع القيام به!"، هذا ما قالته الدكتورة سارة السقا، الملتحقة ببرنامج البورد في الجراحة العامة في مستشفى الشفاء، والتي كسرت القاعدة وقررت اقتحام مجال الجراحة العامة، الذي كان لسنوات طويلة حكراً على الرجال.
وأضافت د. السقا لـ"الاستقلال: "أنا الآن في السنة الأخيرة من البورد، وما زلت أعمل تحت إشراف مجموعة من الاستشاريين العاملين في وزارة الصحة، وقريباً سيكون بمقدوري تقديم الخدمات الجراحية التخصصية للمريضات الغزيات المحتاجات لها، بشكل مستقل".
وأكدت أن دخولها للتخصص والاستمرار فيه كان تحدياً صعباً، حيث استطاعت تخطي عقباته بالصبر والعمل الجاد بأقصى طاقتها، منوهةً إلى أنها أحياناً كانت تصطدم بالعديد من الصعوبات، لكنها مع ذلك وضعت هدفها أمامها ومضت نحوه قدماً، خصوصاً أنها عملت مع فرق عمل تعاونت معها ودعمتها.
وفيما يخص ضغوطات طبيعة العمل، أوضحت أن بورد الجراحة العامة لم يكن أول عهدها في العمل بالاستقبال والطوارئ، وأنها خاضت تجربة صادمة أثناء حرب 2014 على غزة، حين عملت في استقبال مستشفى الشفاء، وهي تؤدي متطلبات المساق الاختياري في الجامعة، حيث قضت أيام الحرب في التعامل مع الإصابات والشهداء، الأمر الذي أعطها دفعة للمضي قدماً في الطريق الذي اختارته، مشيرة إلى أن هذه التجربة زادتها ثقتها بنفسها وبقدراتها.
وعدت الدكتورة السقا أن قرارها الالتحاق بالتخصص جاء بدافع شخصي وإصرار كبير للعمل به ، لافتة إلى أن خطوتها، فتحت الطريق أمام زميلاتها المترددات للمبادرة في خوض غمار هذا التحدي.
وشددت على أنها ستدعم أي زميلة تقرر أن تحذو حذوها، وستقف بجانبها وتشجعها، وستتفهم رغبتها إن هي أحجمت عنه أو انسحبت بعد مواجهة عقباته العملية.
وأكدت على أنها لم تندم أبداً على خوضها هذه التجربة، وأنها فخورة بما حققته من إنجازات ونجاحات على المستوى العملي والمهني، وأن هذا الفخر يتعزز حين تشعر بفخر عائلتها بها، وترى السعادة في عيون أمها.
وفي نهاية حديثها وجهت الدكتورة السقا رسالة لكل فتاة طموحة بأن لا تدع آراء الآخرين وأحكامهم توقفها، وأن تتبع أحلامها وتحققها وتخوض تجاربها بنفسها وتواجه تحدياتها، قائلة "لا تسمحي لأحد بأن يحبطك أو يؤثر على عزيمتك وخياراتك، إن ظننت أنك تستطيعي فستفعلي".
مشكلة مؤرقة
ومن جهته، عد الدكتور أحمد شتات مدير دائرة شؤون الأطباء في الإدارة العامة للمستشفيات بوزارة الصحة، إحجام النساء عن الالتحاق بتخصص الجراحة العامة، مشكلة مؤرقة للوزارة تبذل جهوداً للحد منها، مشدداً على أن الوزارة تدعم الملتحقات بهذا التخصص أثناء عملهن في المستشفيات.
وأضاف د. شتات لـ" الاستقلال" أن التشجيع يكون من خلال تسهيلات إجرائية، مثل تخفيف المناوبات، والسماح بعدد أكبر من الإجازات، وزيادة فرص الابتعاث لدورات خارجية، إذ إن الوزارة لا تستطيع، في الوقت الحالي، إعطاء الملتحقات ببرنامج الزمالة في الجراحة العامة مميزات تحفيزية مادية"، معقباً "أنه وعلى الرغم من جهود الوزارة ما يزال عدد الملتحقات بالتخصص لا يصل لعدد أصابع اليد الواحدة".
وهكذا وبرغم كل التحديات، وبعد فراغ كبير تركه غياب السيدات عن المشهد في مجال الجراحة العامة، تستعد طبيبتان للانضمام قريباً لطواقم العمل الجراحي الاحترافي، بعد الحصول على درجة الدكتوراه، بإنهاء البورد الفلسطيني الذي يستغرق خمس سنوات حسب المجلس الطبي الفلسطيني.


التعليقات : 0