غزة/ خالد اشتيوي:
سنتان من الاعتقال كانت كفيلة بصناعة غصة في قلب الأسير المحرر شادي العجلة، لترافقه طوال حياته، حرم خلالهما من مرافقة ابنه المريض في رحلة علاجه، ومن التواجد بجانبه في أيامه الأخيرة ليرحل عن الحياة بعد5 أشهر من اعتقاله، ليبقى الأب داخل زنزانته، يعيش الحسرة والألم على فراق فلذة كبده دون إلقاء النظرة الأخيرة لوداعه.
رحلة الألم والمعاناة لم تتوقف مع المحرر شادي، فالاحتلال منذ لحظة اعتقاله وضعه ضمن قائمة الممنوعين من الزيارة، ليحرمه مجدداً من رؤية والدته المريضة، لتنتقل هي الأخرى إلى جوار ربها ولم يتمكن من رؤيتها ولا حتى أن يلقي عليها نظرة الوادع الأخير عليها ، ليعود لبيته ويعيش مرارة الفقد التي زرعها ظلم الاحتلال الإسرائيلي في قلبه، وتبقى غصة ألم ترافقه طوال حياته.
وأفرج الاحتلال الاسرائيلي عن الاسير المحرر شادي العجلة من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة قبل نحو اسبوعين بعد قضائه عامين داخل سجون الاحتلال، بعد اعتقاله على حاجز "إيرز " شمال قطاع غزة أثناء خروجه لعلاج ابنه يزن (6سنوات) في مستشفيات الداخل المحتل والذي كان يعاني من مرض السرطان.
فكان يوم تحرره ودخول قطاع غزة حزينا على عكس المتوقع فرغم الاعداد الكبيرة من المستقبلين والمهنئين، إلا أنه كان من أصعب وأقسى أيام حياته، فلم يكن بينهم أحب الوجوه إلى قلبه، وجه أمه الذي إعتاد النظر إليه كل صباح ليبعث الأمل والإشراق في قلبه، وابتسامة ابنه التي تبث فيه الروح.
محاربة الإنسانية
المحرر شادي الذي كان ينتظر صدور تصريح مرافقته لابنه المريض الذي أنهك جسده مرض السرطان، بفارغ الصبر، ليجمع بعد ذلك مستلزمات رحلته وحمل طفله متوجهاً إلى حاجز بيت حانون "إيرز"، شمال القطاع لعله يجد في مستشفيات الداخل المحتل ما يريح طفله النحيل من آلم المرض ويعود به لبيته سالماً معافى يمارس حياته بشكل طبيعي كغيره من الاطفال.
لكن الذي لم يكن يعلمه المحرر شادي بأن تصل عنصرية الاحتلال بان تحارب كل من هو فلسطيني دون مراعاة لأي حالة إنسانية ولا أدنى أي رحمة سواء كان مع الأطفال أو الشيوخ أو النساء، وأن تلك اللحظات هي اللقاء الاخير مع ابنه ، فالمحتل كان يتربص به ، وعند وصوله للحاجز تم استدعاؤه لضابط المخابرات الصهيوني، ليترك الطفل ووالدته ليسيرا في طريقهما وحدهما، بعد أن أضاف الاحتلال لهم ألماً وغصة جديدة، باختطاف الأب.
لينقل الاحتلال المحرر شادي بعد اعتقاله إلى غرف التحقيق ويمضي فيها ثمانية أيام، تم بعدها تم نقله إلى سجن عسقلان الذي أمضى فيه 8 شهور، ليكمل فترة اعتقاله داخل سجن نفحه الصحراوي، تحت تهمة بيعه الإسمنت لجهات لا ترغب بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح المحرر شادي أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أذاقته شتى أنواع القهر والتعذيب اثناء عملية التحقيق ، لإجباره على التعرف على بعض الشخصيات والإدلاء ببعض المعلومات، اضافة الى وضعه في العزل الانفرادي، والزج به في غرف "العصافير".
صعبة وشاقة
وشدد على أن الأساليب القمعية والمهينة لا تتوقف فقط على فترة التحقيق بل هي مستمرة على مدار فترة المكوث داخل السجن، مشيراً إلى تلك الممارسات التي تقودها إدارة مصلحة السجون بحق الأسرى ، المتمثلة في مصادرة الأدوات والأملاك الخاصة، وحملات التفتيش اليومية وسياسة الإهمال الطبي، والمنع من الزيارات والعزل الانفرادي والتي تهدف للنيل من عزيمة وصمود الأسرى وإهانتهم وقتلهم بشكل بطيء.
ووصف حياة السجن بالرحلة الصعبة والشاقة التي يوجد بها من العذابات ما يعجز اللسان عن البوح بها، مشيراً إلى أن الأسرى في داخل السجون يمرون بظروف هي الأصعب من أي وقت مضى وخاصة سياسة إدارة السجن تجاه المرضى وتعنتهم بعدم تقديم العلاج المناسب لهم.
قال الأسير المحرر "بالرغم من خروجي من السجن إلا أنني لا زلت اشعر بأني في الأسر قد أكون بجسدي هنا لكنى بروحي هناك حيث التعذيب وسياسة السجّان الهمجية".
وعاد المحرر شادي بعد انقضاء فترة اعتقاله داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لكن فرحته بالتحرر كانت منقوصة، وممزوجة بالألم، لتبقى الذكريات رغم مرارتها الا أنها الونيس الوحيد في رحلته القادمة.
خيوط هذه القصة ترسم لوحة جديدة تظهر بشاعة وعنصرية الاحتلال ، الذي تفنن في حرمان الأب من الوقوف بجوار ابنه المريض في أشد اللحظات التي هو بحاجه اليه فيها، وكذلك تعنته الواضح بعدم السماح لوالدته المريضة أن تكحل عيناها برؤية ابنها لتفارق الحياة بحسرة كبيرة وهي بعيدة عن فلذة كبدها ويبقى هو الآخر في سجنه يتصارع مع جدران السجن عله يصل لحضن والدته ويودعها قبل مواراتها الثرى لتنتهي تلك القصة بوجع ما زال قائماً .


التعليقات : 0