المتفوقون.. أحلام تقع في "فخ" الفقر

المتفوقون.. أحلام تقع في
محليات

الاستقلال/ أمل بريكة - جيهان كوارع

قد يظن الطالب أنّ تخطي عتبة الثانوية العامة (التوجيهي) العقبة الوحيدة أمام تحقيق حلمه في إكمال مشواره التعليمي في تخصص رفيع كالطب أو الهندسة أو غيرها من التخصصات، وأن تعبه وسهره وكدِه لـ 12 عاماً أثمر في تحقيق ما كان يصبو إليه، لكن الكثير من الطلبة استفاقوا من حلمهم على كابوس مُفزع، عنوانه الفقر وقلة الإمكانات، ليكتشفوا أنّ الجامعات والكليات التي فتحت ذارعيها لاستقبالهم لن يسمح لهم بدخولها، ببساطة لأن امكانات الأهل لا تسمح بذلك.

 

 ويعاني الكثير من طلبة الثانوية العامة حالة من القلق تفسد عليهم فرحة النجاح والتفوق خوفاً من عدم إكمال دراستهم والاكتفاء بشهادة "التوجيهي"، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لآلاف الأسر الفلسطينية، وتعثر كثير من العائلات الفلسطينية في توفير الرسوم الدراسية لأبنائها من أجل إتمام دراستهم الجامعية في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ أكثر من عشر سنوات.

 

فرحة منقوصة

 

الطالبة "أمل طلب، من محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، واحدة من هؤلاء الضحايا، التي حالت الأحوال الاقتصادية بينهم وبين تحقيق حلمهم في الالتحاق بالحياة الجامعية، فبعد حصولها على معدل 90 % تقريبا في الثانوية العامة رغم ظروفها العصيبة، ومتابعتها لوالدتها التي ترقد في المستشفى منذ مدة طويلة، لم تتمكن عائلتها من توفير تكاليف الدراسة للتخصص الذي اختارته بسبب الظروف المادية.

 

وأوضحت أمل بأنها قضت أشهراً طويلة ما بين الذهاب إلى المدرسة صباحاً، والتوجه إلى مستشفى ناصر مساءً، للاطمئنان على والدتها التي كانت تعاني من مرض السرطان ووافتها المنية قبل امتحاناتها بشهورٍ قليلة، مما شكل صدمة كبيرة لها وأثر كثيراً على دراستها وتحصيلها العملي، وكاد يفقدها صوابها ويقف عقبة أمام دراستها، الا أنها تحدت الصعاب من أجل تحقيق حلمها بالحصول على معدل يؤهلها لدخول كلية علمية كالهندسة او الطب.

 

وقالت أمل لـ"الاستقلال"، " حصولي على معدل مرتفع في الثانوية العامة، اختلط بين الفرح بالنتيجة وبين الحزن الشديد على حلمي الذي وقف عند حد الحصول على شهادة الثانوية العامة فحسب، دون المضي نحو حياةٍ جامعيةٍ جديدة، كنت أحلم بها منذ الطفولة، بسبب الظروف المادية المتدنية التي تعاني منها أسرتي".

 

وبينت أن جميع الإمكانيات المادية التي كانت متوفرة لدى أسرتها، ذهبت تكاليف علاج لوالدتها، وهو ما جعل والدها يعتذر لها عن مقدرته بتعليمها لقلة ذات اليد، لتقف أمام صورة والدتها المُعلقة على الحائط وتتذكر بأنها غابت ولن تعود كما لم يعد حلمها ولم يتحقق أبداً، فاحتضنت شقيقاتها وبكت.

 

ضاع هباءً

 

حالة أمل ليست الأولى والأخيرة في قطاع غزة الذي يعني حالة فقر شديدة، فالشقيقتان روان وأماني المبحوح من شمال قطاع غزة، تتقاسمان نفس المعاناة وتعيشان وأوضاعاً اقتصادية صعبة، حالت دون استكمال دراستهما الجامعية.

 

وأوضحت أماني، التي حصلت على معدل 81.6 % في الفرع العلمي، لـ" الاستقلال"، بأن الظروف الاقتصادية التي يعاني منها والدها العاطل عن العمل، ستقف سداً منيعاً أمامها وشقيقتها لخوض غمار الحياة الجامعية الجديدة التي كانت تحلم بأن تخوضها كباقي البنات. 

 

وأشارت المبحوح، التي تعيش مع 13 فرداً آخرين من أفراد عائلتها في منزل صغير، يكاد يخلو من سُبل الراحة في توفير وتهيئة الظروف الدراسية، إلى أنه بالرغم من تلك الظروف إلا أنها استطاعت أن تتفوق في دراستها، في محاولة منها لتحسين الظروف الاقتصادية لعائلتها، بعد تخرجها الجامعي والانخراط في سوق العمل.

 

وعبرت المبحوح، عن ألمها الشديد وعجزها لعدم قدرتها على توفير مبلغ مالي يمكنها من التسجيل في إحدى التخصصات الجامعية، بسبب الوضع الاقتصادي السيء، خاصة وأن التكاليف المادية المتوفرة ستذهب لشقيقها المتزوج الذي يعاني من عدم الإنجاب، من أجل تغطية تكاليف عملية زراعة الأطفال لزوجته التي لم تنجب منذ حوالي 6 سنوات من زواجهما، بالإضافة إلى علاج شقيقتها التي تعاني من مرض الكلى.

 

أما شقيقتها روان، والتي حصلت على معدل 66.6 %، رغم إصابتها بمرض "الفشل الكلوي" قبل نحو 5 سنوات، وتواجدها بشكل شبه دائم في قسم الكلي بمجمع الشفاء الطبي، لم تخفِ فرحتها بالنجاح، خاصة أنها قضت فترة الدراسة والامتحانات بين أجهزة الغسيل الكلوي التي كانت تستقطب وقتها الدراسي بمعدل 4 ساعات يومياً، وصولاً إلى اعلان النتائج، وحصولها في النهاية على معدل لا بأس به يمكنها من التسجيل بالتخصص الذي كانت تحلم به .

 

وقالت روان" كنت اطمح باستكمال دراستي الجامعية، ولكن ظروف عائلتي المادية وعدم تمكنها من توفير تكاليف الدراسة لي ولشقيقتي أماني، حال دون ذلك"، مطالبة مؤسسات المجتمع المدني والحكومي بضرورة إيجاد منح دراسية تمكن الطلبة من إتمام دراستهم الجامعية، وإقرار مجانية التعليم العالي، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها نحو مليوني مواطن غزي بفعل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عشر سنوات.

 

خيبة أمل

 

من جانبه أكد المختص النفسي الدكتور درداح الشاعر، على أهمية الدور الذي يقع على عاتق أسرة الطالب في توفير البيئة المادية والنفسية التي تساعده على الابداع في حياته العملية، موضحاً أن الظروف المعيشية الصعبة التي يعانى منها قطاع غزة إثر وطأة الظروف السياسية وتفاقم الفقر والبطالة، وخيبة الأمل التي تصيب الطلبة إزاء عدم تمكن أسرهم من توفير تكاليف إكمال دراستهم الجامعية، من الممكن أن تؤثر سلباً على نفسية الطلبة وتشعرهم بالقلق والتأزم النفسي خوفاً على مستقبلهم.

 

واعتبر الشاعر في حديثه لـ" الاستقلال"، أنه من أصعب المشاعر التي سيبتلى بها الطالب هي الخوف على مستقبلة والبعد عن الأمل والحياة العلمية والعملية التي حلم بها، بسبب وصول عائلته إلى حد الانعدام المادي، وهو ما يدخله في حالة الاحتراق النفسي.

 

حلول متعددة

 

 وأكد أن لكل طالب قدرات وامكانيات يجب عليه أن يستغلها ويوظفها للوصول إلى مبتغاه، ولكن في حال أجبرته الظروف على وضع لا يريده فهنا عليه البحث عن بدائل كالالتحاق بتخصصات في حدود امكانياته المادية، أو البحث عن جهات مانحة توفر له منح دراسية.

 

وأوضح أنه من الأمور التي ينبغي على الطالب أن يفعلها أيضا، في حال لم يتمكن من دخول الجامعة، هو البحث عن بدائل لاكتشاف قدراته الذاتية وبناء شخصية مميزة وقادرة على التأثير والانجاز والابداع في المجتمع من خلال مجالات عمل حرة لاكتساب المال من أجل توفير تكاليف الدارسة والالتحاق بالحياة الجامعية.

 

وطالب الشاعر، الطالب بضرورة أن لا ييأس ويحاول أن يبحث عن الطرق التي يمكن أن توصله للهدف الذي يريده، وعدم تحميل الأسرة أكثر من طاقتهم المادية، مؤكداً أن الانسان خلق ليتوافق ويتكيف مع البيئة والامور المختلفة فهو لم يخلق لشيء معين بعينه.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق