غزة/ دعاء الحطاب:
تُمسك بيد ابنتها وتحتضنها بقوة، في محاولة منها لإبعادها عن ألسنة النيران المشتعلة في المنطقة، ركضتا بسرعة البرق، لتتوقفا أمام بوابة أحد المحال التجارية، صارخة بوجه أحد الأشخاص المتواجدين في المكان: "خبينا عندك يخو، مش عارفين وين نروح".
لم تستطع سلوى حمدان وطفلتها "لينا"، التقاط أنفاسهما من شدة الخوف وهول المشهد، حتى بدأت النيران بالتسلل إلى داخل المحل الذي التجأتا إليه، وتأكل كل ما بداخله، فما كان أمامها سوى الاتصال بزوجها، لعله يستطيع إنقاذهما، ولكن..!
لحظات عصيبة
"الحقنا المحل بحترق، مش قادرين نطلع.. "، كلمات وقعت كالصاعقة على قلب المواطن إياد حمدان، أثناء تلقيه اتصالًا من زوجته سلوى (47عامًا) التي حاصرتها النيران برفقة ابنتهما الطفلة لينا (16عامًا) داخل محل تجاري بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
وتسبب الحريق الضخم الذي اندلع الخميس الماضي بسوق مخيم النصيرات، بوفاة 11 مواطنا بينهم 4 أطفال و3 سيدات وإصابة 58 آخرين بجراح متفاوتة بينهم 22 بجراح حرجة، فيما شكّل فاجعةً كبيرة لسكان القطاع.
لحظات عصيبة عاشها "حمدان" بعد انقطاع الاتصال مع زوجته، تزامنت مع سماعه أصوات انفجارات متتالية، ليفزع صارخاً بأفراد عائلته الآخرين" قوموا بسرعة، سلوى ولينا هناك"، وانطلق مسرعاً نحو السوق، يبحث كالمجنون بين المحال المشتعلة، محاولاً الدخل إليها، لكن ألسنة النيران كانت الأقوى، فقد التهمتهما كما تلتهم الحطب!.
بدموع حارة تنهمر على وجنتيه، قال حمدان خلال حديثه لـ"الاستقلال": "الحادثة التي عشناها كانت صعبة جداً، لا يمكن وصفها بأي شكل، الذي فقدناه أغلى من كل الدنيا"، مستدركاً "هذا كل اللي ممكن أحكيه، الحكي بالحادثة بخلينا نعيش تفاصيلها من جديد".
حضن بلا انفصال
عندها تدخّل عبد الرحمن، شقيق الزوج المكلوم: "وصلنا إلى المحل التجاري، وكانت الفاجعة، وجدت زوجة أخي إياد وابنتها تحتضنان بعضهما لكنهما كانتا جثتين متفحمتين، وكانت هناك أربع جثث أخرى، في مشهد صادم لن أنساه طوال حياتي".
ويتابع عبد الرحمن، وعيناه تشيان بمدى الحزن الذي يتملك قلبه: "عندما شاهدناهما بهذه الحالة، دخلنا في نوبة بكاء، والحسرة حرقت قلوبنا لأننا عجزنا عن اللحاق بهما منذ اللحظات الأولى"، متسائلاً:" كيف تُحرق أرواح بريئة بسبب الإهمال؟، لكنه قدر الله، لله ما أخذ ولله ما أعطى".
وأضاف: "للأسف هناك استهتار بحياة المواطنين من قِبل موزعي الغاز، فكيف يُعقل وضع خزانات للوقود في قلب سوق شعبي"، مطالباً بضرورة "أن يحاسب كل من تسبب بهذا الحادث المفجع".
وأوضح عبد الرحمن، أن زوجة أخيه وابنتهما كانتا في عيادة "الأونروا" القريبة من سوق النصيرات، لمراجعة الحالة الصحية للأم التي تعاني من مرض السرطان منذ ما يقارب 10 سنوات، وعقب الانتهاء من مراجعة العيادة، توجهتها إلى السوق، وعندها اندلعت النيران التي أحرقت قلوب الجميع لهول ما حدث، وفي محاولة منهما الاحتماء من النيران المشتعلة، اختبأتا داخل محل للألبسة، إلا أن النيران لاحقتهما لتحترقا ومعهما المحل الذي تحوّل إلى شعلة من اللهب.
ونقل عن شهود عيان قولهم إن الفتاة "لينا" كان بمقدورها الهرب من مكان الحريق لكنها آثرت أن تبقى مع والدتها المريضة داخل المحل، ليكون قدرهما أن تفارقا الحياة معاً وهما تحتضنان بعضهما البعض.
وتركت الأم سلوى خلفها ولدين أحدهما في الثانوية العامة (توجيهي) والآخر طالب جامعي، وابنة كبرى لم يمضِ على زواجها سوى شهرين.


التعليقات : 0