فاكهة الغزيين في الصيف

"الصبر".. رزق يُقتلع من بين الأشواك

محليات

الاستقلال/ دعاء الحطاب

مع بزوغ فجر النهار وزقزقة العصافير، تغادر الأربعينية أم محمود سالم منزلها وبيدها عصا طويلة  في نهايتها أنبوب أسطواني أجوف، ومعروف باسم "لقاطة"، لتبدأ رحلتها اليومية في السير داخل شوارع القري الريفية الوعرة شرق مدينة خانيونس، باحثةً عن رزقٍ بين أشواك نبات التين الشوكي "الصبر".

 

سالم واحدة من عشرات النساء الريفيات اللواتي يواجهن أشواك الصبر القاسية بأيديهن الناعمة، فالثمار الموجودة على الطرق وليست ملكاً لأحد، تعتبر مصدر رزقهن الموسمي، يقطفنها ويتوجهن بها للأسواق الشعبية لبيعها للمواطنين الذين يحبون مذاقها الشهي.

 

وتبحث سالم بشغفٍ وحرص عن ثمار التين الشوكي الناضجة، فهي تريد الحصول على أكبر كمية ممكنة من الثمار في غضون وقتٍ محدد، وذلك قبل تلاشي قطرات الندى عن الأشواك، وبدء هبوب نسمات الهواء التي تتسبب في تطاير الأشواك الناعمة والمؤذية، والتي تصيب الأجساد.

 

فرصة ذهبية

 

وعلى الرغم من هذي  التي تٌلحقه أشواك الصبر بيدي سالم، إلا أنها تبدو سعيدة بعملها، معتبرة أن موسم الصبر فرصة ذهبية لالتقاط رزقها وتوفير احتياجاتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في القطاع، وخاصةً أن الثمار ليست ملكاً لأحد وبإمكان الجميع جنيها وبيعها والاستفادة من عائدها المادي.

 

وأوضحت سالم لـ "الاستقلال"، أن زوجها يغادر المنزل صباحاً للعمل في الزراعة بعوائد مادية محدودة لا تزيد على 25 شيكلا يومياً، أما هي فتحاول مساعدته بجني دلوين أو ثلاثة من الصبر كل يوم، وتبيعهما بمبلغ ما بين 20 -30 شيكلا، مشيرة إلى أنها تتوجه إلى السوق بصحبة جارتها بواسطة عربة كارو، وفور بيع "الصبر" تشتري ما ينقص بيتها من حاجيات مثل الخضراوات وغيرها.

 

وذكرت أن موسم الصبر يستمر من شهر إلى شهرين، وتحاول استغلاله والاعتماد عليه بشكل كلي في تدبير حاجياتها، رغم المتاعب والمخاطر الكبيرة التي تواجهها، مشيرة إلى أن قطع التين الشوكي يعرضها يومياً للإصابة بعشرات الاشواك، وتحتاج ما بين ساعة إلى ساعتين للعمل على انتزاعها من جسدها، لكنها لا تمتلك حلا آخر بديلا عن هذا العمل.

 

رزق موسمي

 

وعلى ناصية أحد شوارع حي الشجاعية، كان الشاب ياسر الصواف يبيع الصبر، وعلامات التعب والارهاق تبدو واضحة على ملامحه، فهو الأخر يغادر منزله كل صباح لقطع ثمار التين الشوكي ولا يعود قبل أن يقطف من 4-5 دلاء ممتلئة، حتى يستطيع توفير مبلغ مالي يمكنه من سد جزء من احتياجات أسرته، لافتاً إلى أن هذا العمل الشاق يشكل مصدر زرق موسمياً له.

 

وبين الصواف لـ "الاستقلال"، أن قطع ثمار التين الشوكي يمر بمرحلتين، الأولى اختيار الثمار الناضجة وقطعها بواسطة عصا مثبت في نهايتها أنبوب أسطواني مفرغ، أما المرحلة الثانية فتبدأ بوضع الثمار على الأرض دون لمسها، ومن ثم تخليص كلّ ثمرة من الأشواك المحيطة بها باستخدام بعض الأعشاب ومنها نبتة "الذرنيح" التي تعدّ الأفضل لتنظيف الأشواك وتكون متواجدة بكثرة إلى جانب أشجار الصبر.

 

وأوضح الصواف، أنه حين تصبح الثمار جاهزة خالية من الأشواك الناعمة، يتم وضعها في الدلو تمهيدا لبيعها، لافتاً إلى أهمية بيعها بسرعة، لأن الصبر ثمرة لا تحتمل البقاء فوق بعضها تحت أشعة الشمس، لأنها تفسد سريعاً، لذلك يحاول بيعها في السوق قبل الظهر.

 

وأكد أن اقبال الناس على شراء الصبر كبير جداً، كونه فاكهة موسمية طيبة المزاق، ليس للإنسان دخلُ فيها خالية من المبيدات الحشرية، وتعتمد على مياه الأمطار فقط في سقايتها، حيث يقوم الصبار بتخزين المياه داخله في فصل الشتاء لحاجته لها في الصيف، منوهاً إلى أن سعر الدلو الواحد يبلغ 10 شواكل، وفي أحيان أخرى أقل من ذلك بقليل، تبعًا لكميات الصبر المطروحة في السوق.

 

مكسب كبير

 

أما المواطن أبو أحمد الشيخ، لم يتوقف عند قطع ثمار الصبر وبيعها للمواطنين فحسب، بل تضاعفت جهوده حتى وصل إلى حد بيعه مقشراً جاهزاً للتناول مباشرة، في سبيل تحقيق مكاسب مالية أكبر.

 

واعتبر الشيخ في حديثه لـ "الاستقلال"، "العمل بالصبر أمر مرهق وخطير يحتاج إلى حذر ، نظراً لما تسببه أشواكه إذا اخترقت جسد الانسان، فهي تسبب في عمل بثور وحبوب كبيرة في الجسم وتترك به علامات لفترة طويلة، وهذا ما يجعل الكثير من الناس لا يقبلون على شرائه خوفاً من عملية التقشير".

 

وأوضح الشيخ، أنه قام باستغلال خوف الناس من الإصابة بأشواك الصبر، فعمل على تقشيرها مقابل مضاعفة ثمنه، حيث يصبح ثمن الدلو الواحدة 15شيكلا بدلا من 10 شواكل ، وهو ما يجعله يحقق مكاسب مالية أكبر، منوهاً إلى أن حاجة الفرد للمال وعجزه عن تلبية مطالب أبنائه، تجبره على أن يلقي بجسده داخل الأشواك من أجل أن يقتلع رزقاً. 

 

وبيّن أنه أثناء عمله بالصبر منذ قطعه وحتى الانتهاء من بيعه، يقوم بارتداء أدوات خاصة تقيه من الأشواك، كالجلابية البلاستيكية والقفازات، وعلى الرغم من ذلك لا ينجو من بعضها.

 

وذكر الشيخ، أن نبتة الصبر هي غير مملوكة لأحد، كونها تشكل سياجاً وحماية طبيعية للبساتين والأراضي الزراعية، لذلك فهي متواجدة على حواف الشوارع ولا يمكن لأحد أن يمنعهم من قطعها.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق