غزة / سماح المبحوح:
يخطف الحكيم سعيد صلاح وزملاؤه من أصحاب المعاطف والكمامات البيضاء بعض الوقت للنوم والاستراحة سريعاً على المقاعد، هذا المشهد يتكرر مع مئات الاطباء والممرضين وغيرهم من الطواقم المخبرية في مشافي العزل والمحاجر الصحية الموزعة في القطاع، لتسجَّل قصصاً تنبض بالإنسانية والحياة والتفاني في العمل .
ضغط العمل الهائل في فندق البلوبيتش بمدينة غزة مقر الحجر الصحي الذي خصصته وزارة الصحة في ظل جائحة كورونا، أجبر الحكيم صلاح وزملاءه الوقوف على أقدامهم ليل نهار كخلية نحل ، يتابعون أحوال المحجورين و مرافقيهم ويسهرون على راحة المرضى منهم.
والاطباء والممرضون والعاملون المختصون هم الجيش الأبيض ، الذي يواجه الفيروس بأسلحة بسيطة لا تضاهي تلك الموجودة في العالم المتقدّم، لكنّه بكفاءاته وإصرار إطاراته وشجاعتهم يستبسل يومًا بعد يوم للإحاطة بهذا الوباء قدر الإمكان بهدف علاج مصابيه والقضاء عليه.
واستقبل معبر رفح البري ١٦٣٢ مواطنًا من العائدين لقطاع غزة بعد انتهاء الأيام الأربعة المخصصة لاستقبال العالقين في مصر، بحسب رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة سلامة معروف.
وأوضح معروف في بيان له أمس الجمعة ، أنه جرى تنظيم عملية استقبال المواطنين وتسهيل اتمام إجراءاتهم بمعبر رفح وتوزيعهم على مراكز الحجر الصحي المخصصة لاستضافتهم.
21 يوما اجبارية قضاها الحكيم صلاح بالفندق برفقة ثلاثة من زملائه الممرضين وطبيب مشرف يتابع سير العمل داخل الحجر ، دون العودة لمنازلهم والاطمئنان على أفراد عائلاتهم.
أيام صعبة
"الحنين للعائلة والعودة للمنزل للنوم ساعات طويلة هو الشعور الذي لازم الحكيم طيلة فترة الحجر ، فالاطمئنان على صحته وصحة زوجته ووالديه كان يتم بالهاتف، الذي لا يكفي لاحتضانهم" ، كما يقول لـ"الاستقلال ".
وبين أن أولى أيام الحجر الصحي بالفندق كانت عليه صعبة للغاية ، مشيراً الى أن قطاع غزة تعيش التجربة لأول مرة ، فلا مستلزمات طبية ولا أدوات تعقيم تكفي لـحوالي 430 مواطناً منهم مرضى وكبار سن ونساء وأطفال .
وأشار إلى أن التواصل بين المحجورين وبينهم كان يتم من خلال الطواقم الأمنية التي كانت حلقة الوصل ، وإما عبر اتصال المحجور ذاته على الرقم المخصص للطاقم الطبي .
وأصدرت وزارة الصحة قراراً يقضي بفرض الحجر الصحي على عدد من الأطباء والممرضين والطواقم الأمنية ، برفقة العائدين من السفر بأماكن الحجر بالمدارس والمستشفيات والفنادق ، مدة 21 يوما على التوالي دون العودة لمنازلهم ، كإجراء احترازي خوفا من اكتشاف اصابة احدهم بفيروس كورونا .
مهمة شاقة
على البوابة الخارجية لمعبر بيت حانون " ايرز " شمال القطاع يقف الحكيم خالد شامية على بعد أمتار قليلة من زملائه ، يمسح عرق جبينه ويزيل الكمامة من على وجهه ليأخذ نفساً عميقاً، ويعود أدراجه سريعا، مستقبلا المسافرين العائدين.
الحكيم شامية ( 32 عاما ) الذي يقضي فترة عمله في غرف الحجر الصحي شمال قطاع غزة ترك خلفه زوجته وطفله الصغير ، محاولا تأدية مهامه الطبية والتخفيف على العائدين خوفهم من الاصابة بالفيروس ، وهو الذي كان أحوج لأحد يزيل خوفه وقلقه من انتقال العدوى له .
و يقول لـ"الاستقلال " مريت بأيام صعبة كتير، الخوف والقلق كان يلازمني على مدار الساعة، من وجود اصابة بين العائدين ، لتصيبني وزملائي بالطاقم الطبي الموكل بمهمة قياس الحرارة للعائدين ".
وأضاف : " كنت أنتظر انتهاء مهمتي على المعبر كل لحظة ، كي أعود لاحتضان طفلي الصغير ، فالعمل كان يسرق أجمل الأوقات التي كنت من المفترض أقضيها بالقرب منه ".
وأشار إلى أن اكتشاف الاصابات بالفيروس و السيطرة على عدم انتشاره ، مهمة شاقة للغاية ، فأرواح جميع المواطنين بالقطاع ، تتوقف على الفحوصات التي يجريها الأطباء للمسافرين العائدين .
عن حياته أثناء الدوام، يؤكّد أنّه يتّخذ إجراءات بسيطة كالاستعمال السائل المعقم وعدم لمس أو السلام مع الاخرين واستعمال الكمامة.
هذا الجيش الأبيض كان ولا يزال سببا في نجاح مواجهة فيروس كوفيد19، من خلال الاجراءات القائمة على مبدأ الوقاية خير من العلاج، وما زال يثبت جدارته يوماً بعد يوم على جميع الأصعدة الصحية.


التعليقات : 0