غزة/ دعاء الحطاب:
ما أن يهل شهر رمضان المبارك، حتى يبدأ الأطفال في قطاع غزة المحاصر، بالتعبير عن فرحتهم وسعادتهم به بطقوسهم البسيطة والجميلة، فمنهم يتجمع أمام بيوتهم وعلى مفترقات الطرق ليبدأوا رحلتهم باللعب ونشر الأضواء داخل أزقة وشوارع القطاع، وآخرون يتزاحمون بشوق أمام الأراجيح المُزينة بأجمل الأضواء والملصقات الورقية، وما إن يركبونها حتى تتعالى أصواتهم فرحا بما يصنعون، فيما يرافق البعض الآخر آباءهم وذويهم إلى الأسواق لشراء الفوانيس والألعاب و الزينة الرمضانية.
لكن تلك الطقوس الجميلة والأجواء الاحتفالية التي اعتاد عليها هؤلاء الأطفال في كل رمضان، لم تعد حاضرة في القطاع الذي يواجه جائحة "كورونا" بإمكانات متواضعة.
"مش عارفين نلعب"
الطفل يحي أبو نعمة (١٣ عاما) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، بدأ يجهّز قطعا من "سلك الجلي" ليشعلها ويلهوا بها من على سطح منزل ذويه لتشكل له حزاما من النجوم المشتعلة والمضيئة، بعدما منعه والده من الخروج إلى الشارع واللعب مع جيرانه الأطفال ككل عام، وفق قوله.
ويضيف أبو نعمة خلال حديثه لـ"الاستقلال":" أنتظر شهر رمضان بفارغ الصبر لشراء الألعاب النارية والمفرقعات وسلك الجلي والمسدسات المائية، لممارسة ألعابنا المفضلة والتي لا يمكننا اللعب بها سوى في ليالي رمضان".
ويتابع :" أحب اللعب بتلك الالعاب مع أصدقائي خاصه بعد الإفطار، ولا أشعر بالخوف منها فنحن نلعب في الساحة الكبيرة المقابلة لبيوتنا، ولا نقترب من السيارات أو البيوت، خشية إشعال الحرائق، وتشعرني بالسعادة الشديدة، لكن والدي يمنعنا الآن من اللعب بها في الشارع بسبب كورونا".
وأنهى حديثه قائلا:" مش عارفين نلعب ولا نفرح، ما في ألعاب ولا مراجيح، وكمان ممنوع نروح على السوق، وما في صلاة تراويح، رمضان السنة مش حيكون حلو بسبب كورونا".
" كل شيء ممنوع"
وكغيره من الأطفال، يترقب الطفل يوسف دامو( 12عاما) حلول شهر رمضان بفارغ الصبر ليلهو ويمرح برفقة أصدقائه وأقاربه، فأكثر ما يُسعده تلك الأراجيح المنصوبة تحت منزله في مُخيم البريج، فهي بالنسبة له تُعادل أكبر مدينة ملاهي بالقطاع، لكن تعليمات والده المشددة للوقاية من فيروس "كورونا" تحول دون ذلك.
وعبر دامو خلال حديثه لـ"الاستقلال"، عن حزنه الشديد لعدم تمكنه من الاحتفال بحلول شهر رمضان والقيام بطقوسه المعتادة، مضيفا: "كل يوم برمضان بعد الفطور آخذ مصروفي وبروح على المرجيحة مع إخواتى لنلعب ونمرح سويا".
ويتابع:" أجواء رمضان وطقوسه حلوة كتير، قبل بيوم من رمضان كنت أذهب مع والدي على السوق أشتري الألعاب والفوانيس والزينة، ونروح المراجيح، لكن هذه المرة كل اشي ممنوع عشان كورونا".
ويضيف:" احنا ما عنا أماكن نلعب فيها، ومش كل يوم بابا بقدر يأخذنا على الملاهي والمنتزهات أو حتى البحر، دايماً بقول إنه الوضع صعب، عشان هيك المرجيحه اللي بحارتنا مدينة الألعاب بالنسبة إلنا، وهى فيروس "كورونا" حرمنا منها".
ومن أبرز المظاهر التي ستكون غائبة في هذا الشهر الفضيل المرتقب الجمعة المقبل، صلاة التراويح، والتي من المقرر أن تقام هذا العام داخل البيوت، بسبب إغلاق المساجد وتوقف الحركة في كافة مناحي الحياة، ضمن تدابير منع تفشي جائحة كورونا، وفق ما أعلنه الأربعاء الماضي قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش.
وأضاف أن "أداء صلاة التراويح في البيوت يأتي استنادا لأحكام الشريعة الإسلامية، وانسجاما مع مقاصدها، لأنها سُنّة مؤكدة وليست فرضا، وقد أداها النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر حياته منفردا".
وقبل نحو ثلاثة أيام من حلول الشهر الفضيل، أعلنت وزارة الأوقاف بغزة مساء أمس تمديد إيقاف صلاة الجمعة والجماعة في المساجد، مع إبقاء رفع الأذان في أوقاته المعلومة إلى حين تغير المعطيات بما يتطلب إعادة دراسة الموقف.
الفرحة معدومة
فيما، ينشغل المواطن إياد جودة (٣٠ عاما) قبيل حلول شهر رمضان المبارك بنصب سلاسل الأرجوحة، وإزالة الغبار عنها وتزيينها بالأضواء المبهجة والملصقات الملونة، لجذب أطفال مخيم النصيرات نحوها، معتبراً هذه الأيام " قبل أسبوع من رمضان وأيام العيد" فرصة ذهبية و رزق موسمي له رغم العائد المادي البسيط الذي يجنيه منها، إلا أن هذا العام بات مختلفاً فلا مراجيح ولا أطفال يرسمون بهجة رمضان، نتيجة انتشار فيروس "كورونا".
ويقول جودة خلال حديثه لـ"الاستقلال":" عادة في مثل هذه الأيام من كل عام يكون أطفال المخيم متحمسون جدا لركوب الأرجوحة وشراء الألعاب خاصة الفوانيس والالعاب النارية لتعبير عن فرحتهم بحلول شهر رمضان المبارك، الأمر الذي يدفعني لنصب الأرجوحة قبل أسبوع من حلوله لتوفير عائد مالي أكبر"، لافتا إلى أنه ينتظر موسم رمضان من العام إلى العام على أحر من الجمر، كونه موسما لتحصيل الرزق.
وأضاف:" هذا العام لم يأت كسابقه، فإقبال الأطفال على المراجيح والألعاب معدوم تماماً في ظل حرص الأهالي على أطفالهم ومنعهم من اللعب في الشوارع والحارات للحفاظ على سلامتهم والتزاما بالإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشّي فيروس كورونا".
وأوضح أنه منذ بداية الأسبوع الماضي، عمل على نصب "الارجوحة "الدوارة والعادية، وأرجوحة " ترامبلين" داخل ساحة سوق الاثنين الشعبي بمخيم "2" بالنصيرات، كما وضع بجانبها مكبر صوت يبث عبره أغاني الأطفال
ليجذب انتباههم، إلا أن الإقبال لازال معدوما حتى اللحظة.
وأشار الى أنه في حال استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، سيقوم بفك المراجيح وإعادتها إلى المخازن، مؤكداً أن انتشار وباء كورونا بمعظم دول العالم غيّب الطقوس الرمضانية وقتل فرحة الأطفال والمواطنين بحلول الشهر الفضيل.


التعليقات : 0