الاستقلال/ أمل بريكة
تزين بثوب التخرج وتوجهن لقاعة الاحتفال، قلوبهن تخفق فرحاً وأعينهن تبحث عن الأهل والأحبة ممن جاءوا ليحتفلوا معهن بثمرة 16 عاماً من الكد والتعب، خريجات وقفن رافعات رؤوسهن بما حققن من تميزٍ ونجاح بعد أن حاولن تناسي ما مررن به خلال مشوارهن الدراسي من عقبات كادت أن تقف أمامهن، وكأنهن يقدن سفينةٍ وسط موجٍ هائلٍ، ولكن بالعزيمة والإدارة تمكن من الوصول لبر الأمان فكان النجاح ثمرة جهودهن وإصرارهن على تخطي الصعاب.
واحتفلت الجامعات في قطاع غزة مؤخراً، بتخريج فوج جديد من الخريجين والخريجات من مختلف التخصصات، والذين كان للكثير منهم قصص معاناة، اثبتت قدرتهم على الصمود والاستمرار ومواجهة الشدائد، من أجل تحقيق أهدافهم، وتسخير معاناتهم كخطوة أولى للمضي قدما في طريق النجاح.
صدمة قوية
هنادي رضوان من محافظة غزة، والتي ابصرت الدنيا بعينيها الواسعتين، لتمارس حياتها كأي إنسان عادي حتى وصلت السنة الثانية من دراستها الجامعية، استيقظت في أحد الأيام من النوم، لتجد كل ما حولها لونه أسود قاتم، غير متوقعة بأنها ستكون كفيفة ذات يوم، حتى بعد سؤال أشقائها ما إذا كانت الدنيا حولها لونها أسود أم لا، واجابتهم لها "بلاش تتمسخري علينا"، ولكن ذهابها إلى الطبيب أثبت الحقيقة وأفجع أسرتها.
تلك الصدمة التي تلقتها أسرة رضوان، والتي جاءت على حين غفلة وبدون أسباب طبية واضحة، كانت كفيلة بإيقاف حياتها لمدة عام كامل، لتلقي العلاج في جمهورية مصر العربية، بعيداً عن حرمها الجامعي وصديقاتها وإخوتها الصغار.
وبقيت العودة للحياة الطبيعية للطالبة رضوان واستكمال دراستها الجامعية، تحتاج إلى قرار فيه إصرار على مواجهة الصعاب، وخاصة لعدم الدراية الكافية بطريقة "برايل" المعروفة خصيصاً للمكفوفين، إضافة إلى شعورها بأن مستقبلها بات مجهولاً عما كان في السابق على حد قولها.
مشوار النجاح
وبدأت رضوان، بشق طريقها بالعودة إلى الحرم الجامعي لاستكمال دارستها في تخصص الخدمة الاجتماعية، الذي أحبته منذ طفولتها، بالبحث عن طرق سهلة تمكنها من الدراسة، قائلة: " كنت أدرس الكتاب عبر الصوت، وفي كثير من الأحيان أجد صعوبة في توفر الكتاب الصوتي، فأضطر للجوء إلى أشخاص يسجلون لي الكتاب صوتياً، وهو ما زاد من الأعباء المادية على والدي الذي كان دائماً يسعى هو ووالدتي لتوفير كافة متطلباتي الدراسية».
وعبرت رضوان، عن حزنها واستيائها الشديد من الكلمات التي كانت تترد لأذنها في بداية فقدانها لبصرها بعدم استطاعتها استكمال مشوارها الدراسي، والتي كانت تثبط عزيمتها أحيانا، إلى أن قررت مضاعفة جهودها وتحويل تلك الكلمات إلى دافع قوي للنجاح، فواصلت الليل بالنهار لتحصد في النهاية على معدل 91 %، على الرغم من أن معدلها في سنواتها الجامعية الأولى يكاد يصل إلى جيد جداً.
وأعربت رضوان، عن تمنياتها بأن تحصل على فرصة عمل، تتمكن من خلالها إيصال رسالة الاخصائي الاجتماعي، وأن تكمل دراسة الماجستير التي ستسعى من أجلها مستقبلاً.
تحدٍ ونجاح
ولا يختلف حال حنان الأغا عن سابقتها كثيراً، حينما تزوجت بسن مبكرة ولم تكن تمتلك شهادة الثانوية العامة، لكن ظروفها القاسية كانت حافزاً ودافعاً لإكمال مشوارها الجامعي، حيث بدأت أولى تلك الظروف باستشهاد زوجها ثم وفاة والدها، فقررت أن تخوض غمار الحياة بمفردها، حتى تكون السند الأقوى لأولادها الثلاثة.
وواصلت الأغا مسيرتها العلمية، وتمكنت من الحصول على درجة البكالوريوس في تخصص التربية الإسلامية بمعدل 86 %، ثم التحقت بدراسة الماجستير، لتكون الفاجعة الكُبرى التي أوقفت عجلة النجاح من السير، بعد إصابة نجلها بمرض السرطان في الدماغ، ووصف حالته بالخطيرة، إلا أنها لم تتوقف كثيراً، وتمكنت من التوفيق بين حياتها الجامعية ومتطلبات أسرتها، وانتهت تلك المتاعب الشاقّة بحصولها على درجة الماجستير وشفاء نجلها وتفوق أبنائها في دراستهم.
وبالأمس جلست الأغا، على منصة تكريم الخريجين، التي كانت كلوحةٍ فنية، جمالها النجاح والتميز، تلك اللحظات التي عايشتها وهي جالسة على المنصة، ودموعها تذرف تكاد لا تصدق ما حصلت عليه خلال 7 سنوات من التعب والكد والسهر، معربة عن أملها في أن يكلل نجاحها بوظيفة، تمكنها من استكمال مسيرتها العلمية في نيل درجة الدكتوراه.
عوامل نفسية واجتماعية
بدوره أكد الطبيب والمعالج النفسي يوسف عوض الله مدير عيادة رفح الحكومية، بعض العوامل التي قد تتعرض لها الفتاة بشكل خاص خلال فترة دراستها ، والتي تكون السبب الأكبر وراء نجاحها أو فشلها أبرزها العوامل الاقتصادية التي قد تتعرض لها أسرتها، في ظل ارتفاع نسبة الفقر وانتشار البطالة بشكلها الواسع بقطاع غزة، بالإضافة لعامل الضغط الاجتماعي الذي يكون سبباً آخر يواجه الفتاة دون الذكر، نظراُ لتقييد حريتها ومطالبتها بأن توفق بين متطلبات حياتها الأُسرية وبين حياتها الجامعية.
وأوضح عوض الله لـ "الاستقلال"، أنه يوجد العديد من الفتيات اللواتي حققن نجاحات بالرغم من زيادة اعبائهن، وأخريات كانت هذه الأعباء عقبة امامهن منعتهن من استكمال مشوارهم الدراسي، مؤكداً أن الأزمات التي قد يتعرض لها الإنسان ربما تصنع منه نموذج يحتذى به في الإرادة والعزيمة، أو تحوله إلى شخص محبط ومنغلق على نفسه.
وأوضح أن الغالبية العظمي من الأشخاص الذين يتعرضون لظروف نفسية واجتماعية قاسية، يصابون بالإحباط والفشل، في حين أن القلة القليلة يضغطوا على أنفسهم ، ويتخطوا العقبات التي قد تواجههم خلال مسيرتهم التعليمية ويتمكنون من تحقيق نجاحاتهم، مؤكداً أن السبب وراء نجاح الآخرين العزيمة والارادة، واخيراً البيئة المحيطة التي تعتبر عنصراً مؤثراً وموجهاً لدعمهم إلى الأمام وحصد ما حققوه .
وانتقد عوض الله، إطلاق لفظ معاق على ذوو الاحتياجات الخاصة، مشيراً إلى أن الشخص المعاق هو من يعاني إعاقة عقلية وفكرية، بينما ذوي الاحتياجات الخاصة لديهم إرادة وتصميم تفوق بعض الاسوياء.


التعليقات : 0