الاستقلال / جيهان كوارع
تظل المناطق الزراعية والريفية بسحرها وجاذبيتها ملجأ الانسان من الهموم والملل والمشاكل الحياتية، فطبيعتها الخلابة تأسر العقول وتنسيها التعب، ولكن في قطاع غزة لم يعد الهروب إلى أحضان الطبيعة ملاذ الغزيين الوحيد، بل أصبحت الأماكن الخالية والأراضي البور والكثبان الرملية والأسواق الفارغة والشوارع العامة متنفساً جديداً، يلجؤون إليه بعد أوقات الظهيرة وفي ساعات المساء، هربا من ارتفاع درجات الحرارة، وانقطاع التيار الكهربائي في البيوت التي باتت مهجورة من ساكنيها. ولعل الظروف المعيشية والأزمات المتلاحقة كتبت على المواطن الغزي الذي لم يجد مكاناً يتسع لهمومه وأحاديثه، أن يعيش بين دوامة المعاناة والبحث عن مخرج ينسيه تبعات هذه الأزمات، فالمناطق التي تركت لسنوات فارغة ومهملة؛ أجبرت فصول المعاناة، الفلسطينيين على أن يكونوا أداة تعيد لها الحياة وتجعلها مهمة في عيون أرهقها الظلم، من أجل قضاء أوقات الفراغ والتسلية والترفيه.
وتبقى جوانب الطرقات والاماكن المفتوحة والأراضي الفارغة والساحات المخصصة للأسواق دليلاً يمنح المارين فكرة عن وصل الكهرباء أو انقطاعها، فالذي يرى تجمعات الناس وتناثرهم في الشوارع يعلم أن هذه المنطقة قد رحلت عنها الكهرباء، والذي يرى الشوارع خاوية وصامتة يعلم بأن الكهرباء قد حلت ضيفاً على المواطنين ولكل منهم مهمات يريد أن يقضيها قبل أن تنقطع الكهرباء.
مكان هادئ
المواطن يونس أبو طه، من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، لفت انتباهه توافد الناس بشكل مستمر على منطقة السوق المقابلة للمركز الصحي بالمدينة، بعد أن تنتهي حركة البيع والشراء، فقرر أن يعيد فتح المحل الخاص به لبيع الأكلات الشعبية كالفلافل والحمص مرة أخرى.
وقال أبو طه في حديث لـ "الاستقلال": «كنت أغلق المحل كباقي البائعين قبل العصر، ولكن توافد الناس إلى السوق بعد فراغه من البضائع وانتهاء وقت البيع والشراء، للجلوس في ساحاته الواسعة جعلني استغل الفرصة واعيد فتح المحل مرة أخرى وأحضر كراسي وطاولات للزبائن لأحصل على مصدر رزق إضافي".
وبيّن أن بعض المترددين على المكان بشكل يومي جلبوا وحدات إنارة بسيطة كالكشافات لتعينهم على الرؤية بعد أن تزداد عتمة الليل، لرغبتهم في الجلوس بهذه الساحات الفارغة والواسعة والهادئة والمناسبة لجلسات السمر لأطول وقت ممكن، وذلك هروباً من ارتفاع درجات الحرارة في المنازل وانقطاع الكهرباء.
وأشار أبو طه، إلى أن تواجد المواطنين بات مرتبطاً لجدول وصل الكهرباء وبالتالي يتفاوت من يوم لآخر فالأيام التي تطول فيها ساعات انقطاع الكهرباء يصبح الوقت الذي يقضيه الناس داخل المكان أطول ويمتد في بعض الأحيان إلى ما بعد منتصف الليل، لافتاً إلى تنوع زوار المكان فمنهم نساء وأطفال ورجال.
البديل القريب
جماعات متناثرة يزداد توزيعها بازدياد ارتفاع الكثبان الرملية التي تحيط بالمنطقة، وفي أسفل الكثبان باتت الساحة أشبه بملعب يتسع لكل الألعاب التي يريد أن يمارسها المواطنون، هذا المشهد الذي بات ملازماً لوصف المنطقة الفارغة والمعروفة محلياً باسم " القوز" والتي تقع غرب مدينة خانيونس، أصبح مهرباً آخر للمواطنين الذين يبحثون عن أي متنفس يقيم حر الصيف.
المواطنة غادة زعرب، (38 عاماً) وجدت الخروج بأطفالها الستة وبرفقة زوجها إلى الكثبان الرملية أو ما يعرف بـ "السوافي" روتيناً يومياً للهروب من تبعات أزمة الكهرباء وحرارة الصيف، قائلة": "موجات الحر ما بتخلص والكهرباء ما بنشوفها والبيت صغير والاولاد في إجازة ولا يوجد شيء يلهيهم "، مستطردة "السوافي موجودة من زمان ولم نذهب إليها ولكن الظروف اجبرتنا على الذهاب إليها لأنها أقرب بديل وحل للترويح عن أنفسنا وعن أولادنا".
وأوضحت أنها تجلب الطعام والشراب وألعاب الأطفال وتأتي إلى هذا المكان يومياً بعد العصر إلى الساعة الـ 12 ليلا من أجل التسلية والترفيه بعيداً عن ضغوطات الحياة وأزمة الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى أن اتساع المكان وما يميزه من هدوء ونظافة وبعده عن الشارع العام، بالإضافة إلى زيادة عدد المتوافدين للمكان وتنوع أنشطتهم، هو الذي دفعها لاصطحاب عائلتها إليه.
وأضافت :" كل نظام شغلي في البيت مرتبط بالكهرباء، وصعب جداً قضاء نهار الصيف الطويل فيه، بالإضافة إلى عدم وجود متنزهات عامة قريبة نذهب إليها، وصعوبة الذهاب للاستراحات البعيدة لتكلفة المواصلات وتذاكر الدخول وما شابه في ظل وضع مادي لا يسمح، فهذا المكان بديل قريب وغير مكلف وآمن ولا أقلق على أطفالي فيه".
وأعربت زعرب عن أمنيتها بأن تبذل الجهات الرسمية جهودا وتهتم بتطوير المكان وتوفر الخدمات العامة فيه ليصبح أكثر راحة وأكثر نفعاً للمواطنين .
الملعب الشامل
أما الفتى عبيدة صبح(14 عاماً)، والذي يقطع مسافة قدرها 500 متر مصطحباً رفاقه في موكب تتنوع اعمار السائرين فيه، حاملاً كرة بذراعه ليجتمعوا في محطتهم الأخيرة في الأراضي البور والفارغة القريبة من مكان سكناهم، يعتبر أن هذه الأماكن بمثابة ملعب شامل يناسب جميع الألعاب كلعبة كرة القدم، والألعاب الشعبية التي اعتادوا عليها بعيداً عن زحمة الشوارع وارتفاع درجات الحرارة في المنازل.
وذكر صبح، أن الساعات التي يقضيها في هذه الأراضي الفارغة تتوزع بين ممارسة ألعاب مختلفة منها كرة الطائرة والقدم وسباقات الجري لمسافات طويلة وغيرها من الألعاب المسلية.
وقال صبح: " كنت أنتظر الاجازة لأقضي وقتاً طويلا في استخدام جهاز الآيباد الذي اشتراه والدي لي هدية بمناسبة نجاحي وتصفح الانترنت والمنافسة في عالم الألعاب الالكترونية، ولكن ساعات وصل الكهرباء القليلة والتي لا تتجاوز الأربع ساعات خيبت كل أمالي وجعلتني أبحث عن مكان استطيع أن أفرغ طاقتي باللعب فيه".
ويرى صبح، أن سلبيات المكان تتلخص في كثرة الحفر غير المردومة في ارضيته، وحالات الازدحام التي تحصل أحياناً عندما يكون هناك أكثر من مجموعة تريد أن تمارس نفس اللعبة، وقيام بعض الافراد برمي القمامة على الأرض.


التعليقات : 0