غزة/ دعاء الحطاب :
داخل كشكه الصغير على شاطئ "كورنيش بحر غزة"، كان عبد الحكيم رابعة (37 عاما) يراقب تلاطم الأمواج، في اندماج تام، وكأنه يرى مشهداً لامس داخله، وجسّد تضارب مصدر رزقه بصخرة الواقع المرير الذي يعيشه في القطاع الساحلي المحاصر، والذي قد يزداد مرارةً عقب قرار البلدية استبدال البسطات العشوائية بأكشاك للاستئجار.
"رابعة" لم يكن بعيداً عمّا آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في القطاع، فمع ضيق الحال وفقدان الأمل في الحصول على فرصة عمل تمكنه من توفير لقمة العيش لأطفاله، سارع بفتح مشروع خاص به "كشك أبو العربي" للمشروبات الساخنة، واعتمد على طاقته ومهارته بجذب الزبائن إليه لـ8 سنوات متواصلة، حتى بات شريان الحياة بالنسبة له.
ويخشى "رابعة" أن ينقطع شريان حياته مع شروع بلدية غزة بتنظيم الواجهة البحرية على شاطئ غزة، باستبدال البسطات المتحركة بأكشاك ثابتة، وتزويدها بخدمات المياه والكهرباء، مقابل دفع مبلغ سنوي ثابت، نحو 2100 دولار أمريكي.
كشك حضاري!
وبينما يمسح عن جبينه بعض قطرات العرق، يقول رابعة:" هذا الكشك الذي صنعته بيدي خشبة خشبة مش عاجب البلدية، بدها تعطينا كشك ثاني حضاري"، مستدركاً: "مش عارف حضارة شو لبسطة بالكاد توفر لصاحبها مصروفه اليومي". وفق تعبيره.
وبتنهيدة يملأها الوجع، يتابع حديثه لـ"الاستقلال":" كل شيكل أبيع فيه على هذه البسطة له قيمته عندي، وبنام بالشارع عشان أوفر المواصلات طول الشهر، لأنه احنا بنذوق الأمرين لما نجمع المصروف اليومي لأطفالنا وعائلتنا، واليوم البلدية بتزيد الطين بلة، وتضعنا أمام خيار صعب إما دفع الإيجار أو ما إلنا مكان".
وأضاف بغضب:" احنا مع المظهر الجمالي والحضاري لبلدنا، لكن خذ مني شيء رمزي، أنا صاحب كشك قهوة وشاي من وين بدي أجيب 2500 دولار بالسنة؟، هاد مبلغ خيالي، لو في انتعاش اقتصادي كان فش مشكلة"، مبيناً أن مدخوله اليومي في فصل الصيف يتراوح بين "15-20 شيكل"، وفي بعض الأحيان يتجاوز ذلك، لكن بكل الأحوال لا يساوي احتياجات أسرته المكونة من 9 أفراد، وهو المعيل الوحيد لها.
وناشد رابعة البلدية أن تنظر بعين الرحمة للمواطن الغلبان صاحب البسطة، وأن تخفض سعر الإيجار لمبلغ رمزي مراعاةً لظروف الاقتصادية والمعيشة الصعبة التي يعيشها القطاع.
منظر حضاري ولكن!
في حين، أبدي الشاب أبو المجد موسى صاحب كشك "الأمير" ترحيباً بقرار البلدية الأخير، معتبراً إياها خطوة من شأنها أن توفر بيئة عمل لهم أفضل من البسطات التي تشهد تكدساً على طول شاطئ البحر، لكنه بذات الوقت طالب بخفض تكلفه الإيجار.
ويقول موسى خلال حديثه لـ"الاستقلال": "أن الأكشاك الثابتة توفر للباعة الوقت والجهد والتكلفة التشغيلية اليومية وغيرها من الامتيازات، لكن المبلغ المطلوب مرتفع جداً مقارنة مع الدخل اليومي والشهري لنا".
وأضاف:" الأصل أن يكون المبلع أقل من 1000 دولار سنوياً، وأن تتحمل البلدية الجزء الأكبر من تكاليف المشروع، لا أن تُطور الواجهة البحرية على حساب قوت الغلابة".
ويقضي موسى جلّ وقته في العمل أمام بسطة متواضعة لبيع "المكسرات والترمس والفول والذرة"، وبعض المشروبات الباردة، في سيبل تحصيل مبلغ لا يتجاوز الـ 30 شيكل يومياً لإعالة أسرته المكونة من 7 أفراد، مضيفاً: "لو بدنا نلتزم بقرارات البلدية، سنضطر لرفع سعر المشروبات، وبالتالي المواطن لن يتوجه إلينا".
التوقيت غير مناسب
وبدوره، طالب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سامي العمصي بلدية غزة بتخفيض أجرة استئجار "الأكشاك" السنوية على شاطئ بحر مدينة غزة "الكورنيش" بشكل يتناسب مع الظروف الحالية الصعبة.
وقال العمصي في بيان له: إن" وجود الأكشاك على بحر غزة، لتنظيم العشوائية ومنح المدينة مظهرا جميلا، أمر جيد وتؤيده نقابات العمال، لكن دون أن يكون على حساب العمال ورزقهم"، مشيرا إلى أن موسم عمل أصحاب الأكشاك يبدأ من شهر إبريل/ نيسان حتى أكتوبر/ تشرين أول من العام، أي بمعدل نصف العام.
وأضاف: "هذا ما يجعل العمال وأصحاب الأكشاك معرضون للخسارة"، مؤكدا أن الإيجار الجديد حسب رؤية البلدية يزيد معاناة أصحاب "الأكشاك" الذين لجأوا إلى هذه المشاريع بعدما تقطعت بهم السبل.
وتجاوز معدل البطالة في غزة نسبة 52%، كما بلغ أعلى معدل بطالة بين الشباب للفئة العمرية 15-24 سنة بنسبة 71.8%، حسب الإحصائيات الرسمية.
ولفت العمصي إلى أن توقيت القرار غير مناسب، في ظل جائحة فيروس كورونا والأوضاع غير المستقرة، واحتمالية إغلاق البحر في أي وقت، في حال ظهرت إصابات داخل غزة وهذا ما سيتحمله أصحاب الأكشاك " إذا طبقت البلدية قرارها" كما أن هذه المشاريع بسيطة وبالكاد تلبي الاحتياجات الأساسية لأصحابها.


التعليقات : 0