عبد الله الشاعر
لأن الكتابة نزيفٌ يوميٌّ دون عناية مركّزة ، كثيراً ما تراودني نفسي التوقف عن الكتابة لكنني سرعان ما أنحني لعاصفة المشهد ، وثورة اللغة ، وإلحاح اليراع ، واستغاثات قلبٍ لا يكفُّ عن النشيد. لهذا سأواصل
سأواصل الكتابة لأمي وفي ظلالها تستريح الحياة على أمل العبور إلى الآخرة.
سأكتب للبحر حيث السرّ كامنٌ فيه ، ومن كفيّه تنبجس اثنتا عشرة قصيدة وملحمة كل صباح. سأكتب لزينب التي فتحت لي في جدار العمر نافذة تطلّ على الحياة ، وأخذت بأحلامي إلى حيث يهوى القلب ويشتهي . سأخطّ آخر سطر في رسالةٍ عاشق لم تكتمل ... أو ثائرٍ سبقته الطلقة فاكتمل النصّ دمىً ووصايا.
سأكتب للذين تكتظّ في عيونهم الأسئلة... وللذين يأتون في هذا العبور اليائس أقماراً من رجاء . سأكتب للذين يتدثّرون بالحروف لمواجهة الواقع الظالم وصقيعه ، ويرسمون من أحلامهم أغنياتٍ وباقات وردٍ وأمانٍ . سأكتب للبنفسج أنشودةً يتراقص منها الريح وتغفو على أغصانها الطيور وأسراب الحكايا.
سأكتب للقدس وهي تُحنّي ضفائرها بالنار والبارود ، وتكتحل أعينها بالتاريخ وسورة الإسراء والبحر المتواري خلف التخوم .
سأكتب للفتية الذين يذودون عنّا لكي لا يدوسنا الهوان ، ولا تخنقنا ريح المذلّة .
سأكتب لشامخةٍ في الحيّ تطوي على البيت المقدّس قلبها ، وتطعمه عمرها والحنين .
سأكتب للذين يطاردهم الجوع والسَغَب فيبصقون في وجه السراقين ، ويواصلون رحلة الكدح التي لا تنتهي.
سأكتب للعمّال الذين يصارعون الشمس وقت الظهيرة ، فتأخذ عرقهم ويمنحونها إرادة الانتصار.
سأكتب لكلّ النساء اللواتي يرزحن تحت الظلم والقهر فيعتصمن بحبل الله ، ويواصلن السهر على أطفالهنّ ، ويفرشن قلوبهن متكأً للمتعبين .
سأكتب لعلّ الكتابة تحمينا من فظاعة اليأس ، ومن حافة الجنون ، ومن أرق الليالي التي لا تنام.
سأكتب للأتقياء والأنقياء ... للغلابا والمقهورين ... للمشرّدين كالعصافير على معابر الموت ... للمؤلفة قلوبهم ،،، وللراسخين في الحزن ...للذين يمرّون في درب الآلام كل صباح ، ويعودون من ذات الدرب مساءً دون أن ينكسروا ، أو يلتفت لمأساتهم أحد ٌ غير الطريق .
سأكتب للذين تُهدهدُ الكلمات أرواحهم ، ويأوون آخر الليل إلى رحاب قصيدة ، يضمّدون جراحهم ، ويضربون مع الفجر موعداً لا يخون .
سأكتب للذين يقرؤون بصمت ، ويبكون بصمت ، وينامون على موعد مع أملٍ لا بدّ سيأتي .
سأكتب لقلبي الذي يوشوشني حين أغمض عينيّ كل ليلة ، ويأخذ عليّ عهداً أن أواصل ، ووعداً مشفوعا بالصبر بالأيمان.
سأكتب للأمهات اللائي يطبخن الحجارة لأطفال جوعى
للأسرى الذين يأكل القيد من أرواحهم ويقصم أحلامهم لكنهم لا يخونون ولا يبدلون
للثوار الذين خانتهم أوطانهم ، وللبنادق التي خانها ثوار الفنادق
للوطن العربي وقد تحول إلى مسلخٍ دوليّ
للأطفال الذين فقدوا كل طفولتهم
للشيوخ الذين يتكئون على جراحهم ... للأمهات اللاتي فقدن أبناءهن في الحروب الخاسرة ... للجيل الذي أرادوا له الضياع ومهدوا له الدروب إلى التيه
لكلّ هؤلاء وغيرهم ، ولأجل هؤلاء وغيرهم أراني ملزماً بالكتابة .
والكتابة أضعف الإيمان .
ولهذا سأواصل النزيف ....


التعليقات : 0