الاستقلال/ دعاء الحطاب
تحتفي دول العالم باليوم العالمي للشباب بالمزيد من القرارات والإجراءات التي من شأنها تفعيل دورهم، وتجعلهم أكثر فعالية في الحياة السياسية والاجتماعية، بينما في فلسطين يبدو الحال مختلفاً، فهذه الذكرى لا تمثل سوى مزيد من الألم والحسرة، وتذكير الشباب بمستقبلهم القاتم وحالهم البائس، بينما يتجاهل المسؤولون حتى ذكراها او التعريج عليها، وكأن الاهتمام بالشباب ومستقبلهم بات وصمة عار يتهربون منها. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في 17 كانون الأول/ديسمبر 1999، أن يكون يوم 12 آب/أغسطس يوما دوليا للشباب عملاً بالتوصية التي قدمها المؤتمر العالمي للوزراء المسؤولين عن الشباب لعام 1998.
واقع مرير
لم تدم فرحة الشاب عمر زيارة (28عاماً) بتفوقه وتتويجه على منصة التخرج بالجامعة، فما إن عاد حاملاً شهادته حتى صدم بواقع مرير حزين، فأمامه عشرات الآلاف من الخريجين المحبطين، ممن يئسوا من العثور على فرص عمل، ووجدوا في أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية وفي مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لقضاء وقتهم.
الشاب زيارة خريج كلية إدارة الأعمال، منذ لحظة تخرجه قبل خمسة أعوام إلى الأن لم يدخر جهداً في البحث عن عمل وتقديم أوراقه وشهادته، في كل مرة تعلن بها المؤسسات المحلية عن فرصة تشغيل، لكن باتت محاولاته دون جدوى.
ويقول زيارة خلال حديثة لـ «الاستقلال»: « كنت أنتظر لحظة تخرجي بفارغ الصبر حتى أعمل لدى أحدى المؤسسات المحلية في مجال تخصصي، لكن حينما انصدمت بالواقع ولم أجد وظيفة رغم محاولاتي الكثيرة في البحث، شعرت بإحباط شديد لدرجة أصبحت أقضي جل وقتي جالسا أمام البيت».
وأضاف زيارة: «الشباب في قطاع غزة يعيشون واقعاً مريراً وصعباً، وحرموا من كافة حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فنحن لا نعاني فقط من البطالة والفقر والأزمات المتتالية، لكن نعاني أيضاً من سلب حقوقنا بالتعبير عن الرأي ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أنه لا يمكن التحدث عن كل ما يعانيه الشباب في أسطر بسيطة لأن معاناتهم فوق الوصف والتعبير.
وطالب زيارة، الأمم المتحدة أن تقدم دعمها للشباب الفلسطينيين كما تقدمه لكافة الشباب في باقي الدول، داعياً الدول العربية إلى فتح مجال العمل للشباب الفلسطينيين لا سيما الخريجين منهم.
يُحطم الأمنيات
ولا يبدو حال الشابة فداء عبد الجواد (29 عاما)، أفضل من سابقها، فهي أيضاً تعاني الويلات من الواقع المعيشي الصعب الذي يقف حائلاً أمام أمنيات وطموح ألاف الشباب الفلسطينيين في تأسيس بيت الزوجية والاستقرار.
ففرحة الخطوبة التي لطالما حلمت بها عبد الجواد، قد تنغصت كثيراً بعدما عجز شريك حياتها عن إتمام مراسم الزواج وتأسيس بيت الزوجية نظراً لقلة الدخل في الوقت الذي بات كل شيء فيه غالي الثمن.
وبصوت يشوبه الغضب، تقول عبد الجواد لـ «الاستقلال»:» رغم مرور عام ونصف على خطوبتنا مازلنا لا نستطيع إتمام مراسم الزواج نظراً للوضع الاقتصادي الصعب وقلة العائد المادي، كذلك شح مواد البناء وعدم قدرة خطيبي على بناء شقة ولو صغيرة للعيش بها، ناهيك عن عدم قدرته على توفير التكاليف اللازمة للفرح والتي قد تتجاوز الـ 7 آلاف دولار».
وأعربت عن مخاوفها من استمرار عجز رفيق دربها عن العثور على فرصة عمل جيدة تعينه على توفير متطلبات زواجها، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تدمير مستقبلها الذي أبدعا في رسم ملامحه كل هذه الفترة.
وأكدت أنها تتمنى لو تحظى بفرصة هجرة من قطاع غزة، برفقة خطيبها كي يؤسسا معا مستقبلهما بعيدا عن هذا الواقع المرير والحياة المتقلبة الخالية من الاستقرار والمليئة بالأزمات.
وأنهت عبد الجواد حديثها : «جميع شباب العالم في يومهم يتغنون بما أنجزوه وأسسوه لحياتهم، لكننا في غزة كل يوم وبهذا اليوم خصيصاً نبكي على ما أصابنا أو نضحك على واقعنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف لنا أن نحتفل ونحن لا نستطيع توفير أدنى احتياجاتنا أو الحصول على أبسط حقوقنا».
مستقبل غامض
ومن جهتها أكدت عفيفة أبو سخيلة المختص النفسي والاجتماعي، أن الشباب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وفي قطاع غزة خاصة، يعيشون حالة من شرود الذهن في ظل واقع مرير ومظلم يعتريه الغموض، الإضافة إلى حالة من القلق من المستقبل والاكتئاب.
وأوضحت أبو سخيلة خلال حديثها لـ «الاستقلال»، أن قطاع غزة اليوم يتعرض لهجمات شرسة من مختلف الجهات، تضرب كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وكأن المواطنين بها يذبحون من الوريد للوريد دون معرفة من المسؤول.
واعتبرت أبو سخيلة، أن الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع للعام الحادي عشر على التوالي، يعد من أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم سوء الواقع المعيشي للشباب، بالإضافة إلى الانقسام الفلسطيني الذي يلعب دوراً هاماً في زيادة معاناتهم وتدمير مستقبلهم، منوهةً إلى أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطة بحق أهالي القطاع لها أثر كبير في انعدام الامل لدي الشباب الغزي في تحسن واقعهم المعيشي أو تحقيق طموحهم.
وأشارت إلى وجود ألاف الخريجين يصطفون على أبواب البطالة، وأن طلبة الجامعات في السنة الرابعة يصلون إلى أشد مراحل اليأس والخوف لأنهم يعرفون جيداً أن مصيرهم شبيه بمستقبل زملائهم السابقين.
ولفتت إلى أن الشباب الفلسطينيين رغم الصعوبات قدموا نماذج رائعة في كل الميادين سواء الثقافية أو الفنية أو المقاومة وغيرها، وأثبتوا حضورهم بكل الأصعدة السياسية والنضالية والكفاح المسلح وعلى مختلف المستويات.
وفي نهاية حديثها، شددت أبو سخيلة، على ضرورة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام لمواجهة الهجمات الشرسة التي يتعرض لها القطاع ويقع الشباب وأسرهم ضحية لها، وجعل مصلحة الشعب فوق المصالح السياسية، مطالبة مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات المانحة ومؤسسات حقوق الإنسان بضرورة تبني الشباب الفلسطيني وتقديم الدعم لهم.


التعليقات : 0