الاستقلال/ دعاء الحطاب
بريشة متقنة وأصابع مرنة وألوان مطيعة، استطاعت رسامة الكاريكاتير الفلسطينية حنين العمصى أن تنقل رسالة أبناء شعبها ومعاناتهم وآمالهم للعالم بأسره، وتمكنت في وقت قصير من إبراز اسمها في فن الكاريكاتير حنين ذات الثلاثين ربيعاً، أمضت طفولتها كما يتفق مع براءتها، متجاهلة بؤس الواقع وظلم الاحتلال الذي يسلب كل جميلاً، وانفردت مع كراستها وألوانها لترسم كل ما تراه جميل، وبعد ساعاتٍ طويلة تمضيها مُنكبة عليه تركض فرحة لوالديها كي تريهما ما أبدعت، حتى اكتشف والدها موهبة فريدة ظهرت بمرور الوقت وأصبح يساندها ويدعمها لحظة بلحظة، إلى أن شبت وأصبحت رسامة كاريكاتير مميزة بلمساتها.
موهبة حنين تحولت تدريجيا لتأخذ شكلا سياسياً واجتماعيا يعبر عن واقع مرير يعيشه الفلسطينيون، فتحولت من رسم الشجر والماء إلى رسوم الكاريكاتير المعبرة، تتناول بريشتها الساخرة مواضيع حساسة وهامة.
موهبة رأت النور
لم تكن حنين تعي جيداً ما يكمن بداخلها من موهبة في رسم الكاريكاتير، فقد اكتشفتها خلال دراستها الجامعية بكلية الفنون الجامعية، وبالتحديد حينما قررت المشاركة بمسابقة رسم الكاريكاتير يحاكي الوحدة الوطنية للفصائل.
وقالت حنين لـ "الاستقلال": «كنت دائما أرسم لوحات للطبيعة والشخصيات وأجد نفسي بها، لكن في عام 2006 أخبرني الوالد عن مسابقة كاريكاتير تحاكي الوحدة الوطنية وشجعني على المشاركة بها، وكانت هي تجربتي الاولى بهذا النوع من الرسم»
ورغم انها لم تحظ بأي ترتيب في مسابقة الكاريكاتير بسبب ارسال الرسومات لعنوان خاطئ، إلا أن هذه المسابقة كانت بداية لتغيير مسار الرسم لديها، وكانت سبباً لاكتشاف موهبة مدفونة بداخلها.
وأوضحت حنين، أنها كانت تعد الأيام لمعرفة ترتيبها بالمسابقة، فاكتشفت انها لم تكن مشاركة فيها لخطأ في ارسال الصور للعنوان المحدد، غير أن ذلك لم يحزنها، فقد فازت بشيء أكبر وهو اكتشاف موهبة كبيرة أسهمت في تغيير مسار حياتها، وحولت ريشتها الناعمة إلى بندقية تقاتل فيها وتقارع الاحتلال برسوماتها.
وأكدت أنه لا يكفي أن يكون الانسان موهوباً كي يصل لهدفه الأسمى، بل يحتاج لبيئة داعمة ومشجعة له على الابداع والاستمرار، فهو كالشجرة إذا زرعت بمكان مناسب أزهرت وإن كان غير مناسب ماتت ودفنت.
وحول نشر رسوماتها، ذكرت أنها حولت حساباتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك وتوتر" منبراً لترويج ونشر رسوماتها، والمطالبة من متابعيها إبداء أرائهم بالرسومات حتى وأن كانت آراء سلبية فهذا بالنسبة لها يساعدها في تطوير الموهبة والوصول إلى أفضل رسومات ممكنة تحظى برضا الجمهور.
حنظلة
وتأثرت حنين، بأعمال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي " حنظلة" الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي عام 1987م في لندن، وأخذته قدوةً لها تطلع على رسماته للاستفادة منها والإبداع في إيصال رسالة شعبها للعالم أجمع.
وذكرت "كان والدي يهتم كثيراً برسومات الكاريكاتير خاصة رسومات ناجي العلي، وكان يحتفظ بعدد كبير من رسوماته ويُطلعني عليها دائماً، حتى أصبحت أعشق رسوماته وأخذته قدوة لي"، متمنية أن تصبح رسوماتها في المستقبل خالدة في قلوب الفلسطينيين والعالم كرسومات حنظلة.
"حنظلة" الذي تحول رمزاً للفلسطيني المعذب القوي رغم كل الصعاب التي تواجهه، جعل حنين تتحدى كافة المعوقات التي تقف أمام حلمها في محاولة منها لحقيق حلمها قائلة: " واجهتني العديد من العوائق كأي انسان موهوب لديه طموح، وكان أهمها قلة الاهتمام برسم الكاريكاتير من قبل المؤسسات التعليمية والجامعات، وقلة فرص التشغيل واغلاق المعابر بشكل مستمر، الأمر الذي منعني من المشاركة بالعديد من المعارض الدولية".
مرحلة مميزة
بريشتها لونت حياتها رغم الحصار والمعاناة إلا أنها أصرت على تحقيق حلمها الذي طالما سعيت للوصول إليه لتجعل من لوحاتها لسانا فلسطينياً ينطق بمعاناته ويحاكي ضمائر العالم أجمع، حيث شاركت بمعرض " وتستمر الحياة" في القنصلية الفرنسية الموجودة في القطاع كي تستطيع إيصال رسوماتها لخارج الوطن.
وقالت حنين:"عندما شاركت بالمعرض كنت اشعر بسعادة كبيرة ممزوجة بمشاعر التوتر والقلق، لكن بحمد الله لاقت رسوماتي اعجاب الكثير من الجمهور والرسامين والمؤسسات، وحصلت على فرصة عمل لدي مركز القنصلية الفرنسية بأن أكون رسامة البروشور الخاص بهم، لكنني لم أبقي طويلا كوني رسامة كاريكاتير سياسي وله علاقة بإسرائيل وهذا ما رفضته القنصلية".
وشاركت حنين بالعديد من المعارض الفنية على الصعيد المحلى والدولي، كذلك عملت رسامة لدى أكثر من صحيفة فلسطينية، تحاكي في رسوماتها الوضع السياسي القائم في فلسطين بالإضافة إلى بعض القضايا الاجتماعية التي تلامس عامة الشعب الفلسطيني.
ورأت حنين، أن أكثر مرحلة مميزة في مشوارها الفني، هي مرحلة الحروب الإسرائيلية الثلاث على القطاع، فقد رفض قلمها التوقف عن الرسم وشعرت بمدى أهمية رسوماتها كونها تنقل معاناة شعبها في أكثر الأوقات التي كان يحتاج إيصال رسائله ومعاناته للعالم، مؤكدةً على أن كل انسان لدية القدرة على أن يقدم شيئاً لوطنه مهما كان بسيطاً سواء برسمه أو كلماته أو سلاحه.


التعليقات : 0