الاستقلال / أمل عيد
«القريب أولى من الغريب»، «من طين بلادك حط على خدادك»، تفضل الكثير من الأسر الفلسطينية تزويج أبنائها من الأقارب كابن العم وابن الخال سواء كان ذلك لدوافع مالية كالميراث أو اجتماعية بهدف توطيد وتقوية العلاقات الأسرية والمحافظة عليها، متناسين ما قد تحدثه هذه الزيجات من شروخ في جدار العائلة نتيجة المشاكل والخلافات التي قد تنشب بين الزوجين في المستقبل، الأمر الذي قد يفرق بين العائلتين ويسبب قطيعة أبدية بينهما بدلا من أن يجمعهما.
وأوضحت دراسة ميدانية حديثة أن حالات الزواج بين الأقارب تتعدى نسبة 49 % من الزيجات في المجتمعات العربية، وأرجع الباحثون تفضيل الكثير من الأسر العربية زواج الأقارب إلى الإيمان بمبدأ الحفاظ على الترابط الأسري والتفاهم بين الزوجين، باعتبار أنهما من بيئة اجتماعية واحدة وتربية واحدة، فيما يتخذها البعض ذريعة للتخوف من تقسيم الميراث، ورفضا منهم لدخول غريب على العائلة.
بداية القطيعة
لم تكن تعلم "أم ميسرة «اسم مستعار» أن نسبها مع شقيقتها الكبرى سيكون بداية لقطع علاقتها معها بعدما كانوا يمتازون بقربهم وودهم لبعضهم البعض، بل توقعت أن يزيد هذا النسب علاقتهم قوة ومتانة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن.
وتقول أم ميسر لـ "الاستقلال": " عندما زوجت ابنتي لابن اختي كنت سعيدة جدا لشعوري بأن ابنتي ستكون بخير عند خالتها ولن تعاني من ظلم بل ستكون اختي أماً لها، ولكن ما حصل كان عكس ذلك تماما فشقيقتي تعاملت معها بعنف وقسوة وكأنها عدو لها وليس ابنة اختها ".
وتتابع:" كانت ابنتي تشتكي لي دائماً من شتائم وتحكم وسيطرة خالتها عليها وتدخلها بكل شيء يعينها ولا يعنيها، وكنت أصبرها وادفعها للتحمل وسماع أوامر خالتها إلى أن حدثت أخر مشكلة حيث قامت خالتها بضربها وشتمها وطردها من المنزل، وهو ما اضطرني إلى الذهاب لبيت أختي والتشاجر معها ورفضت بعدها أن أعيد ابنتي إلى منزلها، الا في حالة توفير بيت مستقل لها عن خالتها".
وتوضح أم ميسرة أن نشوب الخلافات بينها وبين اختها بسبب معاملتها القاسية مع ابنتها، كان سبباً في قطيعة دائمة بينهما منذ ثلاثة أعوام، فلم ترى كلتاهما الأخرى حتى في المناسبات العائلية التي ترفضان الذهاب إليها خوفا من أن تتقابلا معاً.
زواج البدل
وفي حالة أخرى لم يفرق النسب بين عائلة أبو إبراهيم وشقيقه تيسير فقط بل بين أبناء وبنات العمومة، فبرغم أنهم يسكنون في عمارة واحدة إلا أنهم يتعاملون مع بعضهم كالغرباء.
ويوضح أبو إبراهيم أن نسبه مع شقيقه كان "بدل" وبسبب طلاق ابنه لابنة أخيه، طلق ابن أخيه ابنته، الأمر الذي جعله ييقن أهمية تغريب النسب وعدم تزويج الأقارب، قائلا: "لم يكن طلاق ابنتي وابنة اخي سهلا بالنسبة لي، فقد كان صادما لي ولأبنائي، وكان سبباً في زيادة حدة المشاكل بين أولاد العم والتي وصلت إلى حد الشتائم والضرب والإهانات المتبادلة ناهيك عن ادعاءات للشرطة ومحاكم وقضايا لم تنته بسهولة".
ويبين "أبو إبراهيم" أنه بعد أن كان مع أشقائه عائلة واحدة وسنداً لبعضهم البعض أصبحوا غرباء عن بعضهم لا يوجد بينهم سوى الشجار والمشاكل، معبراً عن ندمه الشديد لأتخاده قرار النسب مع أخيه ظنا منه أن هذا النسب سيقوي علاقاتهم ويجمعهم سويا للآبد.
اختيار موفق
ويختلف الحال بالنسبة لعائلة أبو صالح فالنسب بينه وبين اخته وابن عمه، كان سببا لتقوية العلاقة بينهم ووقوفهم مع بعضهم البعض في الأفراح والأحزان.
ويقول أبو صالح لـ "الاستقلال": " كان زواج ابنتي من ابن اختي أفضل القرارات التي اتخذناها فهو أفضل من الغريب والحمد الله كان نسبا موفقا وخياراً جيداً، فعلاقتنا ازدادت متانة، ففي هذا البيت كانت اختي الغالية وبعد أن سكنت ابنتي به أصبح فيه غاليتان".
ويبين أن الاحترام بين العائلتين متبادل وأصبح أقوى من السابق، وذلك لتحكيم العقل في الخلافات التي تنشأ بين الزوجين وعدم التدخل بشكل مباشر بينهما، وذلك حفاظا على تلك العلاقة وعلى الرابط المقدس للزوجين، مشيراً إلى أن الضحية الأولى والاخيرة لأي مشكلة تحصل بين الزوجين هم الأبناء.
مميزات وسلبيات
بدورها اعتبرت الإخصائية الاجتماعية سمر قويدر، أن الزواج من أقوى الروابط الشرعية وأسمى العلاقات الإنسانية في المجتمع ويحتاج لدقة وتأنٍ لبداية حياة مشتركة بين الطرفين، مؤكدة أن لزواج الأقارب عدة مميزات تجعل منه خياراً موفقاً مثل ضمان الطرفين توافر المعلومات عن بعضهما بشكل واضح من حيث العادات والتقاليد وهو ما يحدث اندماجاً أسرع في العائلة الجديدة، بالإضافة إلى تربية الأطفال في بيئة متقاربة لوجهات النظر، وحصر التركات ضمن العائلة.
وأوضحت قويدر في حديثها لـ "الاستقلال" أن إحدى المشكلات التي تواجه الأزواج في بداية حياتهم هي علاقة كل منهم المنفردة مع عائلته، ودخول كل منهم إلى عائلة الآخر على اعتباره عنصراً جديداً يحتاج لفهم عادات العائلة والاندماج معها، على عكس الزواج من الأقارب حين يقضي على هذه العقبة وذلك لإدراك الطرفين طبيعة العائلة التي نشأوا فيها معاً.
وبينت أن وجود هذه المميزات في زواج الأقارب لا يعني خلوه من السلبيات فهناك من تصبح بينهم علاقات قوية ولا تتأثر بأي مشاكل تحدث بين الزوجين، وهناك عائلات على العكس من ذلك حيث يكون هذا الزواج سبباً لحدوث فجوة بين الأهل تصل احياناً إلى حد القطيعة والعداء، ناهيك عن الأخطار الصحية بسبب تقارب الموروثات بين الأم والأب، وهو ما يرفع من احتمالات انتقال الأمراض الوراثية إلى الأطفال مستقبلاً.
ولتجنب الوقوع في مشاكل ما بعد الزواج بين الأقارب أكدت قويدر، على ضرورة عدم التدخل بين الزوجين وإرضاء الطرفين واقتناعهما ببعضهما دون إجبار من طرف ثالث وتقدير العلاقة بين الزوجين وبين عائلتيهما أيضا.


التعليقات : 0