حصار قطر: حالة اختبار لفاعلية العقوبات كأداة لإدارة السياسات

حصار قطر: حالة اختبار لفاعلية العقوبات كأداة لإدارة السياسات
عربي ودولي

ترجمة: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

منذ الـ 5 من يونيو 2017 فرضت عدة دول عربية (على رأسها العربية السعودية ومصر والامارات المتحدة والبحرين) مقاطعة دبلوماسية واقتصادية على قطر، تضمنت المقاطعة قائمة طويلة من المطالب وضعت على مائدة قطر، من بينها وقف دعمها للإخوان المسلمين، تبريد العلاقات مع إيران، إغلاق شبكة الجزيرة التي تملكها واخراج القوات التركية من الإمارة. الخلافات بين الأطراف تنعكس عن اختلاف مواقفها فيما يدور في سوريا أيضًا وليبيا وتونس، توقعات الرباعية العربية "كانت ان تركع قطر سريعًا"، لكن ومثل الكثير من الدول التي خبرت العقوبات الاقتصادية؛ تبذل قطر كذلك الكثير من الجهود لكي تبدو عملية قطع العلاقات والعقوبات وكأنها لا يُتوقع منها ان توقع ضررًا كبيرًا في اقتصادها.

 

مع الناتج المحلي الأكثر ارتفاعًا للفرد في العالم وفق مواصفات القوة الشرائية، وتحكم الحكومة بديونها، والمدخلات الكبيرة من إنتاج النفط والغاز المسال، وارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي؛ يبدو ان هناك منطقًا في تصريحات القيادة الاقتصادية القطرية بخصوص قدرتها على مواجهة العقوبات. لكن وعدا عن الرغبة في إظهار الإصرار، فإن التصريحات بشأن الحصانة الاقتصادية تستهدف أيضًا آذان جهات اقتصادية كثيرة بهدف وقف تهريب الأموال الاجنبية من البنوك القطرية. السحب السريع للودائع الاجنبية من البنوك القطرية التي حدثت في يونيو اضطرت البنك المركزي إلى توفير سيولة، وسحب حوالي 30% من احتياطيات النقد الاجنبي لديه، يشهد ذلك على ان محاولات التهدئة القطرية نجحت بشكل جزئي، وأن الأزمة في الحقيقة من شأنها أن تؤثر بشكل سلبي على اقتصاد الدولة؛ بل وعلى اقتصاديات دول أخرى في المنطقة.

 

الرأسمال الموجود في صندوق الاستثمارات الحكومية يزود قطر بأداة ناجعة جدًا، قادرة على دعم البنوك بالسيولة، وأن تضمن - لوقت ما - مصداقية نظام تحديد سعر صوف العملات، وذلك على الرغم من الانخفاض في قيمة الاحتياطي من النقد الأجنبي، حيث ان إجمالي احتياطياتها بعد طرح المديونية الحكومية يظل أعلى من إنتاجها السنوي.

 

ولكي تواجه التحديات التي أحدثها الانخفاض الكبير في أسعار الطاقة، فضلت قطر الاعتماد على القروض، وامتنعت قدر الإمكان عن استخدام احتياطياتها من النقد الأجنبي؛ وهكذا فإنها في توفير السيولة لصندوق الاستثمارات الحكومية فهي تخرج عن الاستراتيجيات الاقتصادية المؤسسية للدولة.

 

محاولة كبح تهريب الأموال وانخفاض قيمة الريال القطري في المعاملات التجارية خارج حدود الدولة قادت القيادة القطرية للخروج عن عاداتها في الحرص على المحافظة على الغموض بكل ما يتعلق بقيمة موجودات صندوق الاستثمارات القطرية (QIA)، وأن تشير بوضوح إلى ان حوالي 300 مليار دولا ر الموجودة في الصندوق تمكّنها من مواجهة الأزمة.

 

إغلاق الطريق التجاري البري القطري مع العربية السعودية والطرق التجارية البحرية والجوية يُتوقع ان تسهم في ارتفاع الأسعار. في محاولة لتقليل أثر الضائقة يقدم المتحدثون القطريون المعطيات التجارية التي تشير - إذا جاز القول - إلى أن الارتباط التجاري مع الدول الأربعة المقاطعة ليس مرتفعًا، ولكن هذه المعطيات التي لا تتطرق لمركبات التجارة تتجاهل حقيقة كون البضائع القادمة من العربية السعودية والامارات المتحدة، وكذلك البضائع من الدول الأخرى التي أتت إلى قطر عبر العربية السعودية، هي المصدر الرئيسي للسلع الاستهلاكية في الإمارة.

 

حصار حركة البضائع سيضطر قطر إلى إيجاد مصادر بديلة للاستيراد، وأن تغير مسارات التجارة المعروفة. قطر تؤكد ان هذا الأمر ليس بالمهمة الصعبة، وكدليل بارز على الارتفاع السريع للوارد من دول أخرى. الارتفاع على الوارد من تركيا - التي وحسب الاعلام التركي ارتفع من 36 مليون في مايو إلى 52 مليون في يونيو - كان على خلفية إعلان وزير الاقتصاد التركي ان تركيا تتطلع إلى إقامة طريق تجاري بينها وبين قطر عبر إيران، والذي سيسمح بخفض أسعار نقل البضائع. رغم المحاولات القطرية لإبراز البدائل الكثيرة التي تقترحها الأسواق العالمية؛ فإن حجم الوارد في يونيو انخفض بنسبة 40% مقارنة مع نفس الشهر من العام 2016. يُعقل للغاية ان هذا الانخفاض الحاد سيتقلص إلى حد ما بعد تسوية المصاعب النابعة من استبدال الشراكات وطرق التجارة. وعلى أية حال، مؤشرات التضخم المنشورة في يوليو تقول بأن العقوبات لم تؤدّ لحتى الآن إلى ارتفاع الأسعار عمومًا في قطر، وإن كانت أسعار المواد الغذائية ارتفعت في يونيو بأكثر من 2% مقارنة مع شهر مايو.

 

هناك أساس للتقدير بأن قطر تستطيع مواجهة التحديات المباشرة لاقتصادها على المدى القصير إثر الأزمة مع جيرانها في الخليج. طالما ان العقوبات لا تمس بصادرات الطاقة فإن مصدر النقد الأجنبي الكبير الرئيسي للإمارة لا يتوقع ان يمس هو أيضًا؛ بل ان قطر تستطيع ان تزيد من تدفق الغاز المصدر، وهناك شواهد على أنها بالفعل تنوي القيام بذلك، لكن خطوة كهذه تعارض خططها لتقليل وزن قطاع الطاقة في الاقتصاد.

 

لا يستبعد ان توفر الأزمة فرصة للتوجه إلى أسواق بديلة كمصدر لمنتجات مطلوبة؛ بل وتوسيع حجم الإنتاج المحلي مع مرور الوقت. كما انه وكجزء من مواجهة المقاطعة قررت الإمارة أولًا ان تقدم إقامة دائمة للعمال الأجانب المهنيين الضروريين (هؤلاء بإمكانهم ان يتملكوا الأرض وأن يقيموا أعمالًا من دون شريك قطري)؛ بل انها شرعت في إعفاء مواطني ثمانين دولة من الفيزا؛ لكن هذه المواجهة تنطوي بالضرورة على أثمان، ومن شأنها أن تؤثر على الخطط الاقتصادية الطموحة لدى الدولة.

 

إذا تسبب الحصار بالفعل بعملية ارتفاع أسعار مستمرة، فيحتمل حقًا ان تعلق الحكومة سياسات خفض الدعم الذي يعتبر مكونًا مركزيًا في مجهود تقليص العجز الحكومي. كما ان تزايد نسبة التضخم قد يتسبب أيضًا للحكومة بتعليق تطبيق ضريبة القيمة الإضافية المخطط لها في الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي في بداية العام 2018. كذلك استمرار الضغط المالي قد يؤدي إلى انخفاض التصنيف الائتماني القطري وزيادة تكلفة التمويل الحكومي وضغط إضافي على منظومتها البنكية.

 

كما ان دول الخليج جميعها ستتأثر من تداعيات الأزمة، سواء على المستوى الاقتصادي أو مستوى الثقة الداخلي، وبشكل خاص ستتأثر خطط الدمج والربط الطموحة بين دول الخليج.

 

(عن مركز دراسات الأمن القومي - نيسان فريدمان ويؤال جوزنسكي)

التعليقات : 0

إضافة تعليق