الاستقلال/ إسراء أبو زايدة
لم يعد الشعب الفلسطيني عاجزاً أمام تلك المصاعب التي تعرقل مسيرة حياته باستمرار خلال سنوات الحصار العجاف على قطاع غزة، فما زال يتخطى كل معضلة كبيرة بإصرار أكبر، وبأساليب متنوعة تعددت بين الضرر والمنفعة سواء على الصعيد الخاص أو العام، لكن صراع البقاء والعيش بأدنى الاحتياجات الممكنة جاء موازياً لمقولة الحاجة تبرر الوسيلة.
ولعل استخراج المياه الجوفية عبر حفر الآبار العشوائية هي الطريقة المستحدثة بكثرة مؤخراً، عوضاً عن قلة المياه التي تصل لمواطني القطاع، إضافة إلى أزمة الكهرباء التي حلت لعنة أبدية على المواطن الغزي، لتكون معضلة جديدة تنذر بكارثة مائية في القطاع مستقبلا دون وجود رادع حقيقي لصاحبها.
حل بديل
على حين غرة استوقفنا صوت مواطن في مقر سلطة المياه ينازع على حقه بالحصول على بئر غير مرخص، متجهم الوجه يلوح بإحدى ذراعيه، ضارباً المثل بأصدقاء له يوجد لكل شخص منهم بئر منذ عام (1990)، دون أي رقابة أو محاسبة لهم، مستنكراً أن يتم محاسبته والحجز على معداته حتى يتم ترخيص البئر خاصته، غير مبالٍ باللوائح القانونية التي أقرتها سلطة المياه على كل شخص تسول له نفسه حفر بئر غير قانونية.
المواطن أبو أسامة، واحد من مجموع المواطنين الذين أقدموا مؤخرا على حفر آبار عشوائية بهدف ضمان وصول المياه إلى منازلهم دون انقطاع، رغم التحذيرات المستمرة بأن هذه الأعمال تفاقم أزمة المياه، وتنذر بكارثة مائية مستقبلًا.
وقال أبو أسامة لـ "الاستقلال" ، "نظراً لشح المياه التي تصل إلى المنزل، كان يتحتم علينا إيجاد حل بديل وذلك عن طريق حفر بئر عشوائية مجاورة للمنزل من أجل الاكتفاء الذاتي من الماء"، مبيناً أن وجود بئر في كل منزل ضرورة، وخاصة في ظل انقطاع التيار الكهربائي تزامناً مع أزمة المياه في المنازل.
وعبر عن رفضه لحملات الرقابة التي تتم من خلال البلديات على عمليات الحفر، معتبراً بأنه يتحتم على الجهات المسؤولة التخفيف على المواطن وتقديم التسهيلات له، وتأمين وصول المياه إلى بيته بأقل التكاليف، لاسيما في ظل حالة البطالة التي يشهدها القطاع المحاصر.
توقف عجلة الحياة
فيما اعتبرت الخمسينية أم محمد، أن وجود بئر في البيت يساعد ربات البيوت في عملها، فعدم توفر المياه يوقف عجلة الحياة، كون جميع المتطلبات تستلزم تواجد المياه، مبينة أن قلة مصادر المياه في السنوات الأخيرة شجعت المواطنين على حفر الآبار، غير مكترثين بالقوانين واللوائح التي تصدرها الجهات المعنية.
وقالت أم محمد لـ"الاستقلال"، "إيقاف حفر الآبار يتطلب حلا بديلا حتى لا يتوجه الناس إلى الطرق غير القانونية، في ظل الوضع الاقتصادي المتردي".
وشهدت الآونة الأخيرة زيادة في عدد الآبار الجوفية التي يتم حفرها في البيوت أو المزارع دون الالتزام بالمعايير التي حددتها الجهات المعنية، ودقت جهات مسؤولة ناقوس الخطر للتنبيه لخطورة زيادة عمليات استنزاف المياه الجوفية، وتأثير ذلك على المخزون الجوفي واستدامته للأجيال المقبلة.
مياه ملوثة
بدوره أوضح رئيس سلطة المياه في مدينة غزة، المهندس ياسر الشنطي، بأن الخزان الجوفي يعتبر المصدر الرئيس والوحيد للمياه في القطاع، علماً بأن ما يتم تغذيته للخزان الجوفي سنوياً حوالي 100 مليون كوب، منها 50 مليون كوب مياه الأمطار، والنصف الآخر ناجم عن الانسياب الجانبي القادم من تحت الأرض، نتيجة تسرب المياه، ما يحدِث تلوثاً في المياه الجوفية نتيجة تسرب مياه شبكات الصرف الصحي.
وأكد الشنطي، على وجود عجز في الخزان الجوفي من 100- 120 مليون كوب سنوياً، نتيجة انتشار الآبار بكثرة وخاصة العشوائية منها، موضحاً أن ما يقرب الـ 90% من مياه الآبار أضحت غير صالحة للاستخدام البشري وحتى الزراعي ولابد من تدارك هذا الخلل حسب الاحتياج.
إجراءات صارمة
وأوضح وجود ما يقرب 2000 بئر مرخصة من قبل سلطة المياه، وما بين 6-7 آلاف بئر غير مرخص، لافتاً إلى أنه منذ ما يقرب الأربع السنوات تم وضع خطة مشتركة مع بلديات القطاع لاتخاذ إجراءات صارمة بحق المخالفين عبر فريق رقابة وتفتيش، وأن كل شخص يتم ضبطه يحفر بئراً سيخضع للمساءلة القانونية حسب قانون المياه وما يرتئي له القاضي إما بحبسه أو تغريمه وحجز معداته الخاصة.
وأشار إلى أنه في حال وجود بئر قائمة غير مرخصة يتم توجيه إخطار لصاحبه بشكل أولي، مع تحديد الكمية المسموحة سنوياً لكل مواطن حسب احتياجه، مؤكداً على وجود بعض التسهيلات بالموافقة على حفر الآبار في ظل أزمة الكهرباء ومعاناة مواطني قطاع غزة.
ونوه إلى أنه في الفترة الأخيرة تم شراء 5 ملايين كوب سنوياً من الشركة الإسرائيلية "ماكروت" لصالح بلدية غزة، إضافة إلى 5 ملايين أخرى لمناطق الوسطى، موضحاً أن ما تنتجه محطات التحلية حوالي 7-10 مليون كوب سنوياً.
مشاريع تطويرية
وكشف رئيس سلطة المياه، وبشكل حصري لمراسلة «الاستقلال» عن سعيهم في سلطة المياه لإنشاء محطة مركزية في منطقة القرارة تنتج ما يقرب 55 مليون كوب ستغذي القطاع، وسيتم توسعتها لتنتج ضعف الكمية عبر خلطها بمياه الآبار، إضافة إلى محطة في شمال قطاع غزة ستنتج 10 آلاف كوب يومياً، وتغذي منطقة غرب غزة.
ولفت إلى أن عمل هذه المحطات يتوقف على وجود الكهرباء، لاسيما بأن محطة الوسطى تحتاج إلى 30 ميغا، لا يمكن أن تستوعبها كهرباء غزة وخاصة في ظل الأزمة الراهنة، مطالباً السلطة الوطنية بالضغط على الاحتلال لإحضار خط خاص لهذه المحطة.
وفي معرض رده حول الحلول الجذرية لتعويض نقص المياه، أجاب:" الحلول تكمن بانتزاع حقنا من المحتل الإسرائيلي التي يستفيد منها في الأرضي المحتلة عام 1948، إضافة إلى أخذ قطاع غزة حقه من مياه الأردن وبحيرة طبريا سنوياً، والعمل على شراء المياه من دول تبيعها، وبالتالي تكون أرخص من عملية تحلية مياه البحر".
ودعا رئيس سلطة المياه مواطني القطاع، لضرورة التوجه لسلطة المياه قبل الشروع بعملية الحفر العشوائي، مناشداً المؤسسات كافة بضبط عملية الإسراف والتبذير في المياه، معتبراً بأن عام 2017 يشهد أزمة حقيقية في موضوع المياه.
إتلاف الخزان الجوفي
ومن جهته، أوضح مدير عام الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي في بلدية غزة المهندس ماهر سالم، أن بلدية غزة تمنح الموافقة للمواطن بحفر البئر بعد تقدمه بطلب لسلطة المياه، ويتم توجيهه مباشرة إلى بلدية غزة لمتابعة الموضوع. و
بين سالم في حديثه لـ "الاستقلال"، أنه لم يتم منح الموافقة على حفر الآبار في مدينة غزة منذ ما يزيد عن العام، نظراً لقدرة البلدية على سد احتياجات المواطن من المياه، مؤكداً أن أزمة الكهرباء الأخيرة قلصت من فرصة حصول المواطن على المياه، مما شجع المواطنين على حفر آبار غير قانونية، الأمر الذي دفع البلدية للضرب بيد من حديد والقيام بواجبها الوطني بالتبليغ عن المخالفين، وعلى إثر ذلك تتخذ سلطة المياه إجراءاتها القانونية.
ونوه إلى أن أزمة الكهرباء التي طرأت على قطاع غزة، لا تعطي الأحقية للمواطن بإتلاف الخزان الجوفي، قائلاً:" في حال ثبت افتقار المنطقة للمياه ووجود أزمة فعلية، نتابع الموضوع بدراسة فنية وقياس مدى قدرة الشبكة على توفير المياه، وفحص كمياتها وسرعتها"، لافتاً إلى أنه ليس من صلاحيات البلدية إعطاء الترخيص ولا فرض الضرائب على الجهات المخالفة. وطالب مدير عام الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي، والمواطنين بالمحافظة على الممتلكات العامة وعدم العبث بها وترك الأمور للجهات المختصة بحفر الآبار لتبقى ذخراً للأجيال القادمة.
كارثة حقيقية
من جانبه حذر مدير عام الإدارة العامة للتربة والري المهندس شفيق العراوي، من إقامة المزارعين بحفر آبار غير مرخصة في أراضيهم، مؤكداً أن الآبار لها فائدتها الملحوظة والملبية للطلب آنياً، إلا أن خطرها كارثي مستقبلاً على الجميع، ولذلك فأن عملية الترخيص تتم عبر لجنة مختصة بين وزارة الزراعة وسلطة المياه.
وبين العراوي لـ "الاستقلال" أن عملية حفر الآبار تساهم بخلق أزمة في الخزان الجوفي الذي يجب أن يعد ملكية عامة ووحيدة، مبيناً بأن منسوب الأمطار يختلف من عام إلى آخر، ولا يتم الاعتماد عليه ولا يعوض نقص الخزان الجوفي.
وطالب مدير عام الإدارة العامة للتربة والري، بضرورة تجميد حفر الآبار، وعدم السماح لأي مزارع بالحفر إلا بطرق شرعية، مع ضرورة تغليظ العقوبات على المخالفين.
والجدير بالذكر بأنه يعيش في قطاع غزة الذي تبلغ مساحته حوالي (350) كيلو متراً مربعاً مليوني نسمة، حيث يحتاجون لـ (220) مليون متر مكعب سنوياً ما يعادل ثلاثة أضعاف المياه الجوفية والتي تعادل 70 مليون متر مكعب.


التعليقات : 0