بين الرفض والقبول

السكن في بيت العائلة.. المسمار الأخير في نعش الحياة الزوجية

السكن في بيت العائلة.. المسمار الأخير في نعش الحياة الزوجية
محليات

الاستقلال/ إسراء أبو زايدة

منذ الطفولة تنسج أحلامها الوردية بخيوط حريرية، وفي كل يوم تكبر ويكبر معها حلمها المتواضع بتأسيس مملكتها الصغيرة، منتظرة فارس أحلامها وشريك حياتها الذي سينقلها إلى عش الزوجية، إلا أنها تصطدم بواقع مرير يجهض محاولاتها في نيل السعادة، ويتطلب منها أن تكون زوجة حكيمة وأصيلة تتماشى مع الظروف السيئة وتوافق على العيش في بيت العائلة وهو ما يوقعها في مشكلات كبيرة.


هذا المشهد أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقع الشعب الفلسطيني، في ظل الحالة الاقتصادية المتردية التي يشهدها قطاع غزة المحاصر، مما يدفع الرجل للبحث عن زوجة تقبل العيش معه في بيت العائلة حتى تتحسن الأحوال، لكن هذا الحل يعزز من حالة الصدام والنزاع بين عائلة الزوج والكنة، والذي بدوره يهدد تماسك النسيج العائلي، في الوقت الذي يعتبره البعض خير علاج لمواجهة قضية تأخر سن الزواج لدى الفتيات.

 

نزاعات كثيرة

 

"زيتونة بزيتونة في بيت زوجي حرة ومصيونة"، بهذه الكلمات بدأت الزوجة أميرة علي حديثها قائلة: "بعد تجربة مريرة شاهدت فيها النجوم بعز الظهر في بيت عائلة زوجي، اتخذت قراراً بعدم العودة إلى البيت إلا بتوفير سكن مستقل لي، وذلك بعد نزاعات ومشادات كلامية وتهجم بالضرب المبرح علي من قبل والدة وشقيقات زوجي، والتي وصلت إلى طريق مسدود، عدا عن حالة الإجهاض التي مررت بها جرَاء أفعالهن غير الإنسانية بالتعامل معي".

 

وأضافت في حديثها لـ"الاستقلال"، "خرجت من بيت العائلة ومكثت في بيت أهلي لمدة ستة أشهر، وبعد تدخلات من مخاتير العائلتين، ولجان الإصلاح، استطعت انتزاع حقي بالحصول على بيت مستقل، عوضت فيها الأيام الخوالي التي أخرجت الروح من جسدي، وباركت لنفسي بمملكتي الجديدة بصلاة ركعتي شكر لله تعالى على هذه النعمة التي منَ الله بها عليها".

 

تحت الميكروسكوب

 

"أكبر جريمة ممكن ترتكبينها بحق نفسك، الموافقة على السكن ببيت العائلة"، هكذا وصفت أم أحمد السكن في بيت العائلة، وفق تجربتها الخاصة قائلة:" قضيت ربيع عمري في بيت عائلة زوجي، وذقت خلالها جميع ألوان الذل والعذاب، عدا عن التحكم بالملبس والمأكل والمشرب، وحرماني من حقوقي الشرعية بجلوسي برفقة زوجي ساعة صفاء، وذلك من أفعال حماتي التي تعكر صفو الأجواء بافتعال المشكلات".

 

أم أحمد هي واحدة من عشرات النساء اللاتي حكمت عليهن الظروف الاقتصادية السيئة السكن في بيت عائلة الزوج، وما زالت تعاني حتى اللحظة من سوء اختيارها لأنها قبلت بالسكن في بيت خالٍ من الراحة، يضع الكنة تحت عدسة "الميكروسكوب".

 

ووصفت أم أحمد، الحياة في بيت العائلة، بالحياة الخالية من الأسرار الزوجية، مشيرة إلى أنها عاشت عشر سنوات في بيت العائلة وما زالت خصوصياتها منتهكة من قبل شقيقات زوجها"، مؤكدة على نيتها عدم تزويج بناتها الا ببيت مستقل مهما كانت الظروف، وإلا فبيت والدهن أولى بهن معززات مكرمات.

 

بين القبول والرفض

 

وتبقى قضية السكن في بيت عائلة الزوج قناعات، وذلك حسب جو العائلة وشخصية الزوج، ولكن غالباً ما تفضل الزوجة السكن في بيت مستقل لتشعر بالراحة بعيداً عن الضغوط والمشاكل.

 

خمس سنوات من التوافق والانسجام عايشتها إيمان حمدان في بيت عائلة زوجها، ورغم حنينها إلى "اللمة العائلية"، وقناعتها بضرورة سكن الفتاة على الأقل سنة في بيت عائلة الزوج للتطبع بهم والتأقلم بعاداتهم وتقاليدهم، إلا أنها شعرت بالحرية منذ انتقالها إلى بيت مستقل.

 

وقالت حمدان لـ "الاستقلال": "عند انفصالنا عن بيت العائلة شعرت بطعم الحرية وتخلصت من قيود الملبس، وأصبحت قراراتي تصدر من مملكتي الصغيرة دون إضافات خارجية، وأصبح بيتي الصغير يصدح بالضحكات والكلمات الغزلية من زوجي دون الحاجة إلى الإيماءات الصامتة، تحسباً لخروج كلمة خلسة إلى أسماع المتواجدين".

 

وأوضحت أن هذا الانجاز جاء بعد قطعها وزوجها شوطاً طويلا في تجميع تكاليف بيت مستقل، من أجل تحسين الوضع الاجتماعي لها ولعائلتها الصغيرة التي يكثر أفرادها مع الوقت، وليس لوجود مشاحنات ونزاعات مع عائلة زوجها، مشيرة إلى أن علاقتها بعائلة زوجها يحكمها الاحترام المتبادل وتحكيم العقل في كل الأمور.

 

صمام أمان

 

بدورها أكدت الاخصائية النفسية والاجتماعية، حنان أبو ظاهر، أن طبيعة العادات والتقاليد الموجودة في قطاع غزة متينة وقوية وأن كان هناك بعض التجاوزات، ولكن بشكل عام البيئة الفلسطينية اجتماعية ومترابطة ومثقفة والتعامل معها سهل ولين، وعلى إثر ذلك يكون السكن في بيت العائلة أمراً جميلا يضفي جواً من الطمأنينة والأمان خاصةً مع وجود الحب والتفاهم المتبادل.

 

وأوضحت أبو ظاهر في حديثها لـ"الاستقلال"، أن السكن مع أهل الزوج سلاح ذو حدين، لعل أبرز إيجابياته تكمن بالمشاركة والتخفيف من العبء المالي، ومساهمة الأهل في العناية بالأحفاد خاصة إذا كانت الأم عاملة، ولكن بالمقابل التدخل في حياة الأبناء سواء بنمط التربية أو طريقة التعامل يعد من إحدى سيئات هذا السكن.

 

 وأشارت إلى أن تصلب بعض الفتيات وذويهن بالرأي حول بيت العائلة، ورفضهن قطعياً السكن فيه ولو بشكل مؤقت يزيد من الأمر سوءاً، داعية الزوج لتقريب وجهات النظر في حال تضارب وتصادم الثقافات، بتعزيز لغة الحوار بين الزوجة ووالدته لحل المشكلة من جذورها وليس بالوقوف على الأسباب الحالية للمشكلة.

 

وشددت على ضرورة تأقلم الزوجة مع عائلة الزوج، عبر أسلوبها الخاص بالكلمة الطيبة والابتسامة والتعزيز بالمعاملة الطيبة لكسبهم، وألا تجعل منهم الخصم.

 

وفي معرض ردها حول سعي المجتمع توجيه أصابع الاتهام دائما ضد الزوجة، أجابت:" دائماً ما يكون الضيف الجديد هو المختلف بالعادات والتقاليد، وتضارب الثقافات ببداية الحياة الزوجية، فتكون هي الحلقة الضعيفة ببداية الأمر إلى أن تتعلم وتكتسب العادات والتقاليد الجديدة وتتشابك معهم فيها".

 

ورأت أبو ظاهر، أن غياب الزوجة خارج البيت، وانشغالها بقضايا عملها، يجعلها تتجاوز الكثير من المشاكل، إضافة إلى انخراطها بالحياة الاجتماعية ومخاطبة العادات والثقافات المختلفة كل ذلك يساهم بإكسابها صلابة نفسية اجتماعية تجاه المشاكل الأسرية.

 

وتناشد أبو ظاهر، وسائل الإعلام، والمساجد بتسليط الضوء على هذه القضية، لتخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي على الشباب، والتقليل من تفاقم المشاكل الأخرى، مستنكرة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام بتعزيز الجوانب السلبية في العلاقة ما بين الكنة والحماة، في حين كان من الواجب عليها تسليط الضوء على الجوانب الايجابية في هذه العلاقة، بتفعيل الحملات التثقيفية في المؤسسات المعنية بصحة وتثقيف المرأة نفسياً واجتماعياً.

 

مودة ورحمة

 

من جانبه، أكد رئيس لجنة الإفتاء في جامعة الأقصى د. عبد الفتاح غانم، أن العلاقة الزوجية يجب أن تكون مبنيّة على أسس متينة عمادها التعاليم التي ارساها الإسلام وطبّقها السلف الصالح، مبيناً بأن بناء العلاقة الزوجية لا يستقيم إلا بتأدية الحقوق الواجبة، معنوية كانت أو مادية، لكل طرف على الآخر، وتحمل كل منهما مسؤوليته تجاه الأسرة.

 

واعتبر غانم في حديثه لـ "الاستقلال"، أن خصوصية العلاقة الزوجية تتطلب حفظ ما يطرأ على الزوجين من المشكلات وعدم إذاعتها بين الناس، وذلك أدعى إلى حلها وإزالة ظلالها القاتمة، موضحاً أن من حق الزوجة أن يكون لها مسكن خاص بها، بشرط أن تكون الزوجة مأمونة على نفسها ومالها فيه.

 

وأكد على ضرورة تهيئة بيت يستر الزوجة عن عيون الناس، وتوفير ذلك البيت يأتي على قدر طاقة الزوج بحيث يليق عُرفا بحال الزوجة ومستواها الاجتماعي، لقوله تعالى: "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُم"، داعياً الزوجة إلى تفهم عدم مقدرة الزوج على تأمين مسكن خاص لها. وشدد على ضرورة ستر محاسن الزوجة في حال إقامتها ببيت العائلة،  وكل ما يكونُ سببًا في إثارة الفتنةِ، لا سيما وأن السكن مع عائلة الزوج قد يكون مقدمة لمشاكل كثيرة، نتيجة غياب الحدود الواضحة للخصوصية بين الزوجين، معتبراً أن حسن التصرف من الطرفين للتصدي لمثل هذه المحاولات يلعب دوراً مهما في حياة زوجية مستقرة. وأوصى الزوجة بأن تسعى جاهدة للإحسان إلى عائلة زوجها، وأن تعينه على بر الوالدين وصلة الرحم، وأن تعلم أن هذا ما يجلب السعادة لها، ولجميع أفراد الأسرة، ولتحتسب ذلك العمل لوجه الله تعالى.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق