الاستقلال/ دعاء الحطاب
جلس الحاج السبعيني أبو محمود غباين، على باب منزله ينعم بالهواء العليل ويستمع لمذياعه الصغير، لكنه وبعد أكثر من خمس ساعات من الصمت، استدعى أحد أحفاده وسأله "ليش ما في صوت خرفان في الحارة، شكله ما في حد مضحي؟" ، فأجاب الحفيد العشريني "والله يا جدي ما حد معه مصاري يشتري أُضحية"، لكن الجد لم يكتف بالسؤال عن صوت الأضاحي إذ قال مخاطبا حفيده: لا أرى بهجة للعيد ولا نساء يتوجهن للمحال كما كل عام، حتى الابتسامة غابت عن وجوه الناس». وحرمت الأزمات المتلاحقة التي تضرب قطاع غزة سواء المتعلقة بخصم رواتب موظفي السلطة في غزة أو أزمة الكهرباء الكثير من المواطنين من شراء وخاصة الأطفال من شراء مستلزمات العيد، كما حرمت آخرين من تنفيذ أضحية العيد لهذا العام .
وبدت الاسواق هذا العام خالية من روادها، يُسمع في جنباتها أصوات التهليل والتكبير الصادرة من مكبرات صوت وضعها أصحاب المحال في محاولة لخلق أجواء للعيد، وجذب الناس لشراء الملابس والأحذية والألعاب، كما في المقابل يشتكي الكثير من تجار الماشية من ضعف الاقبال على شراء الاضحية لهذا العام الامر الذي سبب لهم خسائر .
مناسبة احتفالية
المواطن أحمد صبح، لم يشتر كانوناً وفحماً كما كان يفعل في كل عام، مع شراء الاضحية ، فالعيد كان بالنسبة لعائلته مناسبة احتفالية يشعلون خلالها النار لشي اللحوم وسط أجواء من الفرح.
ويقول صبح لـ» الاستقلال» : أن ابنائه يشعرون بالحزن فالعيد الحالي مختلف عن السابق ولا يوجد ما يشعرهم بالسعادة، خاصة شي اللحوم التي كانوا يحبونها، مبينا أنهم يلحون عليه من أجل شراء أضحية وكانون ليعيشوا أجواء فرحة كباقي الأطفال، لكنه لا يمتلك المال لذلك .
وأضاف أنه قد يضطر لشراء عدة كيلو جرامات من اللحم الاحمر ويشوي لهم القليل منه ليرضيهم، لكن الأمر سيكون خالياً من البهجة بغياب الاضحية رمز العيد.
وعود كاذبة
وفي زاوية أخرى، اضطرت المواطنة أم محمد المصري، تبتعد بنتها من أمام محل الملابس الذي مروا من أمامه بالصدفة، بعدما أن ملأ صراخ الطفلة المكان طالبة من والدتها شراء ملابس جديدة للعيد .
وبعد أن ابتعدت الأم عن المحل واسترضت طفلتها بوعود كاذبة، قالت: « إن العيد هذا العام جاء عليهم بظروف صعبة جدا، فالرواتب قلصت ولا يجدون ما يطعمون به أبناءهم، لذلك لم يستطع زوجها شراء أضحية أو حتى ملابس العيد».
وأضافت المصري لـ»الاستقلال»: أن شراء الملابس الجديدة للأطفال في العيد له أهمية كبيرة، لكونها تشعرهم بفرحة غامرة وتجعل عيدهم مميزاً، لكن قلة ما باليد تحول دون اتمام فرحتهم، وتجعل الوالدين يشعران بمرارة وغصة بقلبهما لعلمها بحزن أطفالهما لعدم حصولهم على كسوة العيد كباقي السنوات».
وأوضحت أن المشكلة بأن بناتها تنظر لبنات عمها، فوالدهن موظف في وكالة الغوث واستطاع شراء ملابس وضحية لأبنائه، لذلك فهي تشعر بحزن حينما ترى الحسرة في كل يوم بعيون بناتها.
الحلم دمية
في حين وقف الطفل خليل محمد، فرحاً أمام خروف دمية مصنوع من الصوف يملأ الأسواق، يلح على والدته لشرائه، توقفت الوالدة و بلسان ثقيل سألت البائع عن ثمن الخروف الصغير، فأجابها صاحب المحل 15شيكلا ، فكرت قليلا ثم تراجعت وأخذت طفلها من يده وتابعت طريقها، بينما بقي قلب طفلها معلقا بخروف دمية يسعد به مؤجلا، ريثما تتخلص غزة المحاصرة من أزماتها التي لا تنتهي.
والدة خليل، أم لخمسة أطفال وزوجها مريض عاطل عن العمل، بالكاد يتدبرون احتياجاتهم اليومية من صدقات أهل الخير، فحتى الخروف «الدمية» لا تقوى على شرائه، كما هو حال «الأضحية» لأعوام طويلة.
وتقول: «من سنوات طويله واحنا بنوعد الأولاد أنه نشتري خاروف ونضحي زي باقي الناس، لكن لا حول لنا ولا قوة، فالأوضاع المعيشة كل يوم تزداد سوءاً وفقرنا بكبر».
وأضافت بحسرة: « نفسي يشعر أولادي بفرحة العيد، لكن الوضع أكبر من طاقتنا»، مشيرة إلى أن أطفالها لا يشعرون بفرحة العيد الا بما يجلبه إليهم أهل الخير من ملابس وألاعب ولحوم.
إقبال ضعيف
محمد عبيد مالك إحدى محلات بيع الملابس يقول: «لا نشعر أن هناك عيد، اشترينا الكثير من البضائع لكننا فوجئنا بأن الناس لا يأتون للشراء».
وأكدد عبيد خلال حديثه لـ»الاستقلال»، انه وغيره من باعة الملابس يجتهدون لخلق أجواء عيد غائبة كليا هذا العام، فتارة يضعون مكبرات الصوت وتارة يعلقون الزينة، وهناك من ينادي على بضاعته ويعلن عن تنزيلات لبيعها، لكن كل جهودهم باتت بلا جدوى.
وأشار عبيد بيده الى الشارع، وقال: « في مثل هذا الوقت من كل عام يكون الازدحام على أشده، أما هذا العام فلا ازدحامات ولا أجواء وكأن الناس لا ترغب بالفرح».
وتشهد أسعار الأضاحي تحسنا كبيرا هذا العام عن سابقه، وفق ما أعلنت وزارة الزراعة في قطاع غزة، حيث يبلغ كيلو الخروف ما بين 4-5 دنانير للكيلو، أما العجل فيبلغ سعره 17 شيكلا للكيلو، ورغم ذلك إلا أن اقبال المواطنين على شرائها بات محدودا، في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع.


التعليقات : 0