الاستقلال/ إيناس أبو الجبين
على خطا والده الذي عاش في كنفه ما قبل أيام النكبة في بلدته المدمرة «كرتيا»، يستعد الختيار الثمانيني الحاج أبو كمال الخالدي لإحياء طقوس العيد هذا العام.
فقبل يوم من حلول عيد الأضحى المبارك، أوعز الحاج أبو كمال لحفيدته كَي عباءته وحطّته تمهيدا لارتدائهما خلال ذهابه لأداء صلاة العيد، كما اجتهد في توفير مجموعة من الشواقل (الفراطة) ليوزعها على من يقابله من أطفال العائلة والحي لإدخال البهجة والسرور على قلوبهم تماماً كما كان يفعل والده الراحل، كما قال لـ "الاستقلال".
و"كرتيا" هي إحدى قرى قضاء غزة إلى الشمال الشرقي منها والتي سقطت في يد الاحتلال الإسرائيلي في التاسع عشر من شهر تموز من عام النكبة (1948)، ولم يبق منها بعد تدميرها سوى بعض المنازل المتهالكة، ومقبرة محاصرة بأشجار الكينيا والجميز، بينما باتت على أنقاضها ثلاث مستوطنات وهي: "عوتيم، ونهورا، وكومميوت".
ذكريات عيدٍ من الماضي
ويقص الحاج أبو كمال الذي يقطن مخيم جباليا شمال قطاع غزة حكايته مع العيد مستذكرا ماضي أجداده: "كان عند والدي بعض الأغنام يرعاها ابن عمي (كونه أكبر أبناء العائلة في حينه) في البيارات من الصبيحة حتى وقت الظهيرة ويعيدها إلى الحظيرة المجاورة للمنزل، ويوم عيد الأضحى نضحي بواحدة منها، نأكل ونوزّع منها ما نشاء على الأقارب والأحباب والمحتاجين.
وتشترك القرى الفلسطينية في الكثير من العادات والتقاليد، وفي يوم العيد كان مخاتير ورجال الحارة يجتمعون في مضافة القرية بعد انتهائهم مباشرة من صلاة العيد في العراء لتناول طعام الإفطار واحتساء القهوة هناك، ويتجاذبون أطراف الحديث ويتبادلون التهاني والتحايا. كما قال.
وعن وجبة الإفطار في أول أيام الأضحى، أوضح الحاج أبو كمال أن "صحن أبو عشرة" (صحن فخار) كان يجمع الأسرة، وسمي بهذا الاسم لأنه يكفي عشرة أفراد، وتصنع به النسوة الكبدة والكلاوي و"المعلاق" كتصبيرة إلى أن يحين موعد الغداء.. كانت تلك الأيام رغم بساطتها ممزوجة بالبركة.
وعن وجبة الطعام الرئيسة في يوم العيد، قال الحاج أبو كمال "الفتة كانت الطبق الرئيس في أول أيام العيد، حيث تهرع النسوة صبيحة العيد، بعد حضور ذبح الأضحية، إلى صناعة خبز "الشراك" بفرن الطابون لاستخدامه في وجبة "الفتة" التي تكسوها وتزينها قطع اللحم الضاني.
أما أدوات الطهي التي كانت تمتلكها أسرته، فكانت تدور في معظم بيوت الحارة، "عندي دسوتة (طناجر) ومغارف في سدة الدار منذ النكبة عاما لكن الآن لا أسمح بإعطائهن لأحد خشية ضياعهن، فهي تُعيدني إلى ماضي أجدادي والقرية التي لا زلنا نحلم بالعودة إليها. قال الثمانيني المُهجّر عن أرضه.
وعن لباس العيد في القرى الفلسطينية "أيام البلاد"، أوضح الخالدي، "كان القمباز أو ما يسمى بـ "الهندية" الزي الشعبي التقليدي للرجال في كثير من القرى الفلسطينية لا سيما في عيدي الفطر والأضحى.
ويصف الخالدي "القمباز" بأنه ثوب طويل مفتوح من الأمام يرتدي الرجل تحته الشروال الواسع المعروف، مشيرا إلى أنه يحتفظ بقمباز يعتز به ويفضّل ارتداءه في الأعياد والمناسبات.
وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه الختيار الخالدي لــ"لاستقلال" قاطعته زوجته -التي اضطرت هي الأخرى للهجرة من بلدتها الأصلية "كرتيا" بعمر الاثني عشرة سنة كعمر زوجها في حينه، لتتحدث عن الزي الذي كانت تلبسه النسوة والفتيات في القرية، مشيرة إلى أن تلك الأزياء أكثر حشمة وعفة وأقل كلفة من أزياء اليوم، حيث كانت الفتيات ترتدي "الثوب المطرز الذي يستر جميع الجسم.
"جَمعَة المقعد"
وكان لـ"جَمعَة المقعد" أهمية عند رجال القرية، مرددا مما كان يُقال داخلها: "ويش قولك يا أبو زيد بهالضيوف اللي لا الجبل ولا الوعر بيغطينا عنهم"، ليبدأ بعدها المخاتير بتقديم عبارات المديح والود إضافة إلى أن توافد مخاتير القرية للمقعد يكون في جاهات الخطوبة أو الزواج أو حتى المشاركة في تقديم التعزية وحضور جلسات المصالحة التي تعقب الخلافات العائلية.
حلم العودة
حلم العودة الذي يتملّك كل الفلسطينيين المهجّرين، لا يفارق الحاج أبو كمال وقال: «آمل أن يأتي اليوم الذي أعود فيه إلى "كرتيّا" وأمارس هواية الزراعة التي حرمت منها بسبب الاحتلال، حيث لم أتمكن منذ التهجير من تملّك قطعة أرض كما كانت عائلتي تمتلك في "كرتيا».
وتبقى بعض من "القواوير" المزروعة بالنعناع وأشتال الفلفل والبندورة المنتشرة على سطح المنزل المتواضع، أحاول بها التعويض عن الحرمان الذي أعيشه جراء عدم تملكي بضعة أمتار للزراعة. كما قال والحسرة تملأ قلبه وتكسو ملامح وجهه.


التعليقات : 0