الاستقلال/ جيهان كوارع
قد تختلف التفاصيل، الا أن الظروف الصعبة وقلة الحيلة دفعت العديد من النساء إلى ترك بيوتهن ليكدن ويكافحن من أجل لقمة العيش بالنزول الى ميدان العمل حتى بما فيه من المجهود البدني والخشونة، واستطعن أن يصنعن لهن مكانة ولكن هذه المرة في العمل بالتجارة وبتن ينافسن الرجال في هذا المجال.
وكغيره من الأماكن الأخرى، لا تغيب المرأة الغزية العاملة الكادحة عن هذا المشهد، حيث استطاعت كسر جدران الحاجة وامتهان مهن رغم قسوتها كتجارة الملابس والبيع في الأسواق لتوفير حماية لهن من غدر الزمان. أم جهاد الأسطل واحدة من بين النساء اللاتي دفعتهن الأوضاع المعيشية إلى العمل في التجارة باعتبارها مصدراً للقمة عيش أمنة لها ولأسرتها لتصبح رائدة في المجال ويشار لها بالبنان بعد سنوات عمل عانت خلالها الآمرين .
جهد وتحدٍ
المواطنة الأسطل( 60 عاماً) والتي احترفت العمل في مجال التجارة منذ ما يزيد عن( 10 أعوام) متتالية لم تغادر فيهما البسطة الخاصة بها المجاورة لأحد المراكز الصحية، كذلك باتت الأكياس المتكدسة بالملابس استأجرته في رحلة الذهاب للسوق والعودة منه كل يوم.
وقالت الاسطل لـ"الاستقلال":" زوجي كفيف ولدي5 أبناء أحدهم مريض بالسرطان ولم تكن أمامي فرصة لتوفير ثمن العلاج ومصاريف المعيشة إلا العمل".
وأضافت :" في البداية اتجهت لشراء بعض الملابس من أحد تجار الجملة لعرضها للبيع على رصيف مقابل عيادة خانيونس الطبية وبدأت اندمج مع باقي التجار وتعلمت كيف اتعامل مع الزبائن وافهم حاجة السوق " .
وأشارت الاسطل الى أنها كانت تجلب بعض البضائع المصرية كالملابس والأدوات المنزلية اثناء ذهابها لزيارة أهلها المقيمين في جمهورية مصر العربية ولكن بعد اغلاق المعبر اكتفت بشراء البضائع من أسواق قطاع غزة.
وبعد مرور عدة سنوات على تشتت الأسطل على جوانب جدران المركز والأرصفة واشعة الشمس الحارقة في الصيف والبرد القارص في فصل الشتاء استطاعت أن تمتلك بسطة باسمها لعرض بضاعتها، مشيرة إلى أنها باتت الآن تملك مكاناً لها مساحته 3 أمتار استأجرته من البلدية بمبلغ 300 دولار في العام تعمل فيه بمفردها.
وعن الصعوبات التي تواجه الأسطل أثناء عملها أوضحت أن أهمها يتعلق بضعف الحركة الشرائية في السوق خلال الفترة الاخيرة، والمقابل التي تسدده للبلدية التي اعتبرته مبلغاً كبيراً لا يمكن تحصيله من مبيعات بضاعتها، بالإضافة إلى نظرة بعض أفراد المجتمع الذين لا يروق لهم عمل المرأة .
المرأة القوية
المواطنة منى قديح والتي بات اسمها علامة يعرفها كل زائري السوق بشكل دائم، فقد نثرت بضاعتها واتخذت لها زاوية تحت ظل الملابس المعلقة وعقدت كفيها ككل يوم تتابع حركة زبائنها وتجيب على أسئلتهم المختلفة وجدت هي الأخرى في السوق فرصة لها لتسويق ما لديها من بضاعة بعد أن أرهقها العمل كبائعة تطرق بيوت الناس لبيع ملابس الأطفال.
وأشارت قديح لـ"الاستقلال" إلى أن عملها في تجارة الملابس قد بدأته قبل (12 عاما) بعد أن أصيب زوجها بمرض عظام أفقده القدرة على الحركة، مضيفة:"6 أفراد عدد أسرتي واحتياجاتهم كثيرة والوضع المعيشي في غزة صعب جداً والشاطر اللي يقدر يلاقي شغلة يوفر منها دخلا" .
وأكدت أن بداية عملها كانت أفضل مما هي عليه في الوقت الحالي ، لكون الربح الذي كانت تحصله قديما في يوم واحد لا تستطيع تحصيله في اسبوع الآن، مشيرة الى أن أوقات المواسم مثل الأعياد والمدارس هي ما قد تحسن الإيرادات لديها.
وفيما يتعلق بالتوفيق بين المهام البيتية وعملها في التجارة قالت : " أقوم بإنجاز كل واجباتي التي تقع على عاتقي كأي أم في المنزل خلال ساعات الليل وأنتهى منها قبل أن أذهب إلى السوق صباحاً ".
وأوضحت أن عمل المرأة في التجارة يحتاج إلى ما أسمته المرأة القوية التي لديها القدرة على تحمل مشقات التنقل بين الأسواق الشعبية التي تتوزع أيامها حسب محافظات القطاع وأيضاً التنقل بين أسواق الجملة لشراء البضاعة بأسعار مناسبة ونقلها إلى اماكن البيع وتحمل نفقات ايجار البسطات وايجاد حل لتعنت الزبائن ومحاولات لإقناعهم بالشراء.
سيدات الأعمال
بدوره أكد الدكتور محمد مقداد عميد كلية التجارة بالجامعة الاسلامية أن عمل النساء في التجارة هي ظاهرة سليمة وطبيعية ، مرجعاً أسبابها إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر وانعدام فرص العمل التي تدفع العاطلين عن العمل للتفكير في أي مجال للعمل سواء كان رجل أو امرأة .
وقال مقداد لـ "الاستقلال": " مجتمعنا الفلسطيني مليء بالنساء اللاتي يعملن في التجارة الحرة والبيع والشراء والاستيراد والصناعات اليدوية "، لافتاً إلى أن هذه النماذج الناجحة يطلق عليها لقب سيدات الأعمال .
ونوّه مقداد إلى أن تجاوز الحصار والانفتاح سيمكن هولاء السيدات من تطوير اعمالهن بشكل ايجابي رغم بساطة بداياتهن، مشيراً إلى دور هذه الأعمال في تمكين المرأة وتوفير فرص عمل لها وصنع مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة للمرأة .
وأشاد مقداد بقدرة المرأة الفلسطينية على اثبات كفاءتها كي تكون مسانداً ومعيلا لأسرتها ومجتمعها والتي استطاعت أن تصنع لها مكاناً في ظل الظروف شديدة الصعوبة في القطاع رغم نظرة المجتمع العربي لعمل المرأة ووضعه قيوداً على تحركاتها .
وأضاف : " عمل المرأة وخاصة في التجارة لا يجب التعامل معه من زاوية العادات والتقاليد بقدر ما نريد التعامل معه من ناحية الشرع ، فالشرع يعتبر خروج المرأة وعملها لا حرمة فيه اطلاقا مع وجود شروط بسيطة كالتزامها بعفتها وحجابها ".


التعليقات : 0