غزة/ خولة عليان
منذ ساعات الفجر الأولى تنهض أم محمود باكراً تستعيد نشاطها وتشرع بترتيب بيتها بعد أن توقظ أطفالها الخمسة وتساعدهم في ارتداء ملابس المدرسة وتحضر لهم طعام الإفطار. متطلبات ضرورية تكفيهم لساعات غيابهم الطويلة عن المنزل، وتبقى تتنقل بين غرف منزلها لتتفقدها وتطمئن أنها أنهت كافة أعمالها المنزلية لحين يأتي موعد عملها.
وعندما تدق عقارب الساعة الثامنة تتجه أم محمود لمكان عملها في أحد محلات بيع وتفصيل الملابس النسائية لتجلس خلف ماكنة الخياطة تقص القماش وتدرز الفساتين وتحبك الخيوط لساعات طويلة من اليوم، وكذلك تراقب الزبائن من خلف نظارتها بنظرات شديدة الإرهاق والتعب وتستقيم على مقعدها بين الفينة والأخرى لتريح ظهرها من ساعات الجلوس الطويلة.
أم محمود وغيرها من الأمهات اللواتي ارغمتهن الحاجة والظروف القاسية للوقوع في قبضة الاستغلال والعمل لساعات طويلة وبراتب زهيد.
ظلم كبير
أوضحت أم محمود لـ "الاستقلال":' أنها المعيل الوحيد لأسرتها المكونة من ثمانية افراد بينهم طالبتان تدرسان في الجامعة لكون زوجها عاطلا عن العمل منذ سنوات طويلة، مشيرة الى انها لم يكن أمامها سوى العمل من أجل توفير احتياجات بيتها وأبنائها مهما كانت الضغوط التي تتعرض لها.
وأكدت أنها تتعرض للظلم كبير في عملها لكونها تترك أطفالها وتغيب عنهم طوال النهار ولمدة 12 ساعة يوميا، مقابل أجر يومي 25 شيكل فقط أي براتب شهري 750 شيكلا، رغم ساعات العمل الطويلة التي تأتي على حساب بيتها وابنائها .
وبينت أم محمود أن الأجر الزهيد الذي تتقاضاه لا يسد أدنى متطلبات أسرتها لكنها تحاول تدبير أمورها حسب الراتب، مبينة أنها على علم بكافة قوانين العمل الفلسطينية التي تحدد ساعات العمل وحقوق العمال وقرار مجلس الوزراء بتحديد الحد الأدنى للأجور لكنها لا تستطيع مناقشه ذلك مع صاحب العمل لأنها بحاجة للعمل ومجبرة على ذلك .
فوق طاقتنا
الشابة منى متولي ( 32 عاما) بدت عليها علامات التعب والإرهاق بعد قضاء 12 ساعة عمل متواصلة في أحد محلات تأجير بدل العرائس وفساتين السهرة قضتها بمساعدة العرائس الجدد في قياس وتبديل البدل والفساتين والتفاوض مع الزبائن وإتمام المعاملات واستلام البدل المرجعة وتفقدها وترتيب الفساتين من جديد وتنظيف المحل.
كل تلك الاعمال التي تقوم بها متولي بشكل يومي مقابل أجر شهري 450 شيكلا فقط أقل من مبلغ تأجير بدلة عروس في ليلة واحدة، مؤكدة أنها مضطرة للعمل في تلك الظروف الشاقة والمتعبة لأنه لا يوجد بديل لها في ظل انتشار ظاهرة البطالة.
وأبدت متولي لـ "الاستقلال"عدم معرفتها بالقوانين التي تنظم العمل، وجهلها بقرار تحديد الحد الأدنى للأجور، موضحه أنها حتى لو علمت بها لن تغير من الواقع شيئاً لكون صاحب العمل لن يلتزم بتلك القوانين.
ولفتت متولى الى انها تعمل بدون عقد اتفاق أو حتى تحديد لطبيعة العمل أو حتى ساعات العمل.
قانون لا يطبق
من جانبه، المحامي خالد بركة أكد أن قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 نظم العلاقة بين احتياجات العمال وأصحاب العمل في الوقت نفسه، موضحاً أن القانون حدد ساعات العمل 45 ساعة أسبوعياً يتخللها ساعة في اليوم لراحة العامل، وكذلك في حال الساعات الإضافية يدفع للعامل أجر ساعة ونصف عن كل ساعة عمل إضافية.
وأشار بركة لـ"الاستقلال" أن العاملات في قطاع غزة يعملن تحت ظروف قاسية ولا يلتزم أصحاب العمل بتطبيق القانون العمل الذي يعطيهن حقوقهن، مبيناً أنهن يعملن ما بين 10 إلى 12 ساعة عمل متواصلة وأحيانا ساعات عمل إضافية دون أجر وهو أمر مخالف لقانون العمل .
وأوضح بركة أن الظروف الاقتصادية الصعبة وحاجة هؤلاء العاملات للعمل وعدم علمهن في بعض الأحيان بقانون العمل اوقعهن ضحية الاستغلال من قبل أرباب العمل، لافتا الى أن معظمهن يعملن بدون عقد اتفاق أو تحديد لساعات العمل، أو تحديد لطبيعة العمل، فهن يقمن بأكثر من مهمه في وقت واحد ولا يحصلن على بدل إجازات وهذا مخالف للقانون.
وبين بركة أن الاتفاق الشفوى بين العامل وصاحب العمل يعتبر عقد اتفاق يحق للعاملة المطالبة بحقوقها وفق الاتفاق الشفوي اذا حدث نزاع بينها وبين صاحب العمل أو في حال تعرضت لفصل تعسفي، لافتا الى أن هناك تساهلا في قضايا العمال في المحاكم الفلسطينية، حيث يعفى العمال من الرسوم القضائية في الدعاوى العمالية التي يرفعونها أمام المحاكم للمطالبة بحقوقهم.
وأكد بركة على أن المؤسسات الخاصة في قطاع غزة لا تلتزم بدفع الحد الأدنى للأجور مستغلة الوضع الاقتصادي الصعب وحاجة العاملات للعمل مما يجعلهن يتعرضن للاضطهاد المستمر من قبل صاحب العمل.
انعكاسات سياسية
بدوره، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في قطاع غزة سامي العمصي أكد أن العاملات في القطاع الخاص في قطاع غزة يتعرضن للاستغلال في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مبيناً أنهن يعملن بدون عقود عمل ولساعات طويلة دون تحديد لطبيعة العمل وبأجور متدنية قد لا تكفي لسد حاجاتهن خاصة إذا أصبحت العاملة المعيل الوحيد للأسرة.
وأشار لـ "الاستقلال" الى انه رغم الواقع الصعب الذي تعيشه العاملات في قطاع غزة الا انه لم تجرؤ أي منهن على تقديم شكوى أو تظلم ضد صاحب العمل حتى وإن فعلت ذلك تنكرها أمام صاحب العمل اذا تم مواجهتها خوفاً على لقمة عيشها من أن يقوم صاحب العمل بطردها.
ولفت العمصي الى أن الوضع السياسي في قطاع غزة لا يسمح بعمل نقابي سليم لكونه يقع في بؤرة المشاحنات السياسية، منوها الى أن هناك توجهاً لإنشاء مراكز تحكيم للفصل بقضايا العمال والعاملات للمطالبة بحقوقهم، مشيرا الى أن النقابة تساعد وفق المتاح من عمل ورش عمل وندوات تدريبية لبعض العاملات لتوعيتهن بحوقهن حتى لا يتعرض للاستغلال من قبل ارباب العمل .


التعليقات : 0