غزة/ جيهان كوارع
بعد أن ضاقت به السبل وأراد ان يفتح مشروعه الخاص لأجل أن يؤمن حياته ومستقبله لتحسين وضعه المعيشي ، ولكن في فترة وجيزة أصبحت ايرادات المشروع لا تدخل جيبه ولا بيته بل تتجه مباشرة إلى الجهة المسؤولة عن توفير أرضية مربعة الشكل لا يتجاوز عرضها ثلاثة أمتار فقط من أجل تسديد ثمن ايجارها، فكانت الضريبة المفروضة عليه هي المستفيد الوحيد من الربح وليس عائلته .
المواطن محمد أبو مسلم( 30 عاماً) والذي يمتلك محل أحذية يقول: "كنت أعمل على بسطة وفي كل مكان أقف فيه كنت أجد أمراً بالمنع والطرد من جهة معينة، بعد كل تلك المعاناة قررت أن أنشئ محلاً صغيراً لأرتاح من هذه المعاناة".
وتابع أبو مسلم لـ"الاستقلال": «قمت باستئجار أرضية من البلدية مقابل ضريبة سنوية بقيمة 400 دولار، ووفرت كل مستلزمات إنشاء المحل من حديد وصفائح وتوصيلات كهرباء» لافتا الى أنه في حال أردت عرض البضاعة الخاصة بي أمام المحل مباشرة فان ذلك يتطلب دفع مبلغ إضافي آخر.
وأوضح أبو مسلم أن الوضع الاقتصادي وضعف الحركة الشرائية للسوق جعلا توفير مبلغ الضريبة المطلوبة منه صعبا للغاية لكون فترة عمله تقتصر لوقت الظهر فقط نظراً لتواجدها في منطقة سوق شعبي تنشط حركة الشراء فيها في المواسم، لافتا الى أن العائد المادي الذي يحصل عليه بالكاد يكفي لسد احتياجات المصروف اليومي ومتطلبات عائلته.
وأضاف " كان المفترض أن يوفر لي المشروع مصروفاً شخصياً وثمن كهرباء المحل وضريبة للمكان وسداد ديون شراء البضاعة، ولكن في ظل الوضع الحالي هذا الأمر أصبح مستحيلا جراء الحالة الشرائية الضعيفة".
وطالب أبو مسلم الجهات المختصة بضرورة مراعاة ظروف أصحاب المشاريع الصغيرة، معتبراً أن ما يقوم أصحاب تلك المشاريع بدفعه سنوياً هو مبلغ كبير مقابل مكان ضيق لا تتوفر فيه أي من المقومات الأخرى .
الحل الإغلاق
وبسبب المعاناة ذاتها قرر المواطن كامل حمدان أن يقوم بأغلاق المشروع الخاص به لبيع الخضار بعد عجزه عن تسديد مبالغ الضريبة المتراكمة عليه منذ أربعة أعوام، وقال حمدان:" قمت بتوفير رأس مال لشراء بضاعة وعرضها أمام أحد المراكز فتفاجأت أن بقائي مرتبط بعقد ايجار يلزمني بدفع 250 ديناراً في السنة ".
ولفت حمدان لـ"الاستقلال" الى أنه خلال فترة تواجده كان العائد المادي الذي يحصل عليه من خلال البيع والشراء قليل جداً في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة، لذلك قرر ترك مشروعه مفضلا البقاء عاطلا عن دفع المزيد من الأموال التي يرى انها من نصيب أبنائه وليس جهات أخرى.
واضاف:" احنا بنشتغل عشان ندفع ضريبة للبلدية وعندما يأتي موعد الدفع ترسل اخطارات بسداد المبلغ الضريبي»، لافتا الى أن البلدية تهدده بالمثول أمام المحكمة في حال عدم السداد .
وأكد حمدان أنه في كل مرة يتلقى اخطار للسداد كان يذهب للجهات المسؤولة ويشرح سوء حالته المادية ولكن دون استجابة او حتى مراعاة وتقدير للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
المواطن المستفيد
عوني الباشا مسؤول الادارة العامة للضريبة في وزارة المالية أكد أن الضرائب المعمول بها في قطاع غزة مقرة منذ قدوم السلطة الفلسطينية ووفقاً لاتفاقية باريس الاقتصادية، لافتا الى أنها تتضمن نوعين هما ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل .
أوضح الباشا لـ"الاستقلال" أن منظومة الضرائب قد مرت بعدة تعديلات على المدى الطويل لتناسب تغيرات الأوضاع التي يعيشها قطاع غزة، ووفقاً للقانون الفلسطيني الذي لا يُسمح بالتعديل على ضريبة القيمة المضافة إلا بنسب بسيطة بينما تخضع ضريبة الدخل إلى تعديلات نظراً لاعتبارها ضريبة مباشرة .
وشدد الباشا على أنه لم يتم فرض ضرائب جديدة في غزة بالمطلق، مشيراً إلى أن أصحاب المشاريع الصغيرة والذين لا يتوفر لهم مصدر دخل يتم اعفاؤهم من ضريبتي الدخل والقيمة المضافة، فيما يعفى أصحاب المشاريع الكبيرة من ضريبة الدخل لمدة 5 سنوات .
وبين أن الوزارة تتبع نظاماً يعرف بالشرائح الضريبية يستهدف أصحاب الدخل القليل الذين يتم اعفاؤهم في حال بقى دخلهم محدوداً، واذا ما زادت قيمة الدخل لديهم فيتم اخضاعهم لشريحة ضريبية تترواح ما بين 8 إلى 12 % .
ونوّه إلى أن وزارة المالية لا تحصل ضريبة أملاك من المواطنين منذ ما يقارب 14 عاماً، مرجعاً ذلك لقيام البلديات ومؤسسات الحكم المحلى بتحصيل هذه الضريبة .
واعتبر مسؤول الادارة العامة للضريبة بوزارة المالية أن المواطن هو المستفيد الاول والاخير منها سواء بطريقة مباشرة كتوفير خدمات صحية وأمنية له، وأخرى غير مباشرة كمساهمة في دفع الراتب للمعلم الذي يؤدي خدمة للمواطنين .
ازدواجية الضرائب
من جانبه أكد محمود صبرة رئيس قسم الاقتصاد بجامعة الأزهر أن الشعب الفلسطيني يعاني من مشكلة ازدواجية الضرائب والتي أوجدتها حالة الانقسام مما أدى إلى فرض حزم ضرائب من جهتين أحدهما حكومة رام الله والملزمة باتفاقية باريس الاقتصادية وحكومة غزة بغرض تغطية نفقاتها الجارية .
وذكر صبرة لـ"الاستقلال" أن الضرائب لها عواقب سلبية انعكست على قيمة السلع والخدمات وأيضاً على قدرة المنشآت في توظيف العمالة وتخفيض نسبة البطالة ، مشيراً إلى أن تأثيرها القوي كان على المواطن سواء مستهلك أو صاحب مشروع .
ولفت صبرة الى أنه من المفترض العمل على دعم مشروعات فئات الشباب، وكذلك الفئات المهمشة اقتصادياً من الفقراء والشباب ومحدودي الدخل والتي لا تستطيع سد احتياجاتها الأساسية لا أن يتم ارهاقها بالضرائب بغرض زيادة قدرتهم على الاعانة الذاتية.
وأشار صبرة إلى أن منظومة الضرائب تعاني من التضارب وعدم التجانس ، لذلك من الضروري توحيد الجهود لإعادة صياغتها بشكل مثالي ومراجعتها من قبل الهيئات السياسية والتجارية لكي تكون ملائمة لكل الفئات المختلفة .


التعليقات : 0