غزة/ إيناس أبو الجبين
بالإبرة والمندف والقماش بدأت حكاية السبعيني أبو أحمد الصيفي مع حرفة "تنجيد اللحف" وهو في سن السابعة عشرة عندما غادر قطاع غزة إلى السعودية، حيث التقى خياطا سوريا في مكة المكرمة وعمل معه طيلة أربع سنوات كانت كفيلة بإتقانه صناعة اللحف والوسائد والمفروشات عامة، ليعود بعدها إلى غزة ليمارس هذه الحرفة حيث افتتح محلاً وسط مدينة غزة لينتقل لاحقا إلى مخيم جباليا حيث يعمل به حتى يومنا هذا.
وكانت أحب الصناعات إلى قلب أبو أحمد من بين المفروشات هي حياكة اللحف خاصة، والتي تأخذ مراحل عدة تبدأ بندف القطن بواسطة المندف القديم والذي هو عبارة عن قوس موصول بوتر يعمل على نفش القطن لتعبئته داخل اللحاف.
هكذا يُصنع اللحاف
والمندف يمثل للسبعيني ذكرى جميلة وحكاية من العشق مع التراث الفلسطيني طوال فترة عمله بحياكة اللحف بمحله في مدينة غزة، يضرب القطن بواسطته ليحشو به الكيس القالب الذي خاطه من القماش الأبيض والساتان استعدادا لضربه بواسطة عصا خشبية إلى أن يصبح بمستوى واحد في عملية يُطلق عليها "تضريب اللٌحف" كمرحلة ثانية.
وفي هذه المرحلة يقوم الختيار "أبو أحمد" على ضم ثلاث طبقات معا تتمثل بقطعة القماش البيضاء وحشوة القطن والساتان كغطاء له.
ويشرح أبو أحمد أكثر عن مراحل صناعة اللحاف قائلا: "لاتحاد الطبقات الثلاث يقوم صانع اللحاف بتمرير خيط بواسطة إبرة خياطة بغَرزها وإخراجها مرارا لتُشكل في اللمسات الأخيرة رسومات تزين قماش الساتان كرسمة الصينية والدائري و"سبعة ثمانية" والبحرية وغيرها.
يُذكر أن هناك عائلات كثيرة تحمل كنية "الندّاف" في الأردن ولبنان وفلسطين وذلك لأنها تمتهنها أو أن أحد أجدادها كان يعمل في هذه الحرفة العريقة.
وعن أنواع اللحف التي كان ينتجها هي طقم العرسان المعروف بـ "لحاف الجودل" عبارة عن (لحافين وفرشتين ومخدتين) لا يستغرق صنعه مع الصيفي أو أحد أبنائه سوى أسبوع واحد، إضافة إلى لحف الأطفال التي كانت تُباع لأهالي مدينة القدس المحتلة ويكتفون بتعليقها كزينة على الجدران، وما يميز لحاف الأطفال عن غيره هو قماش الساتان الذي يضاف من الجهتين له وقد يزين بلمعة الترتر ذي الألوان المتعددة.
ولا يقتصر العمل على اللحاف بشكل أساسي إنما أيضا تلحقه "الملحفة" وهي عبارة عن قطعة قماش بيضاء اللون تلتقي بقطعة شاش بيضاء مخرمة تعمل كوجه يحافظ على اللحاف ويسهل نزعه عند غسله.
عبق الماضي.. وتراث يحتضر
صناعة اللحف في أيامنا هذه،لم تعد كعشرين سنة خلت، وبات عشق اللحاف مقتصرا على كبار السن ممن اعتادوا على تغطية أنفسهم بها في فصل الشتاء يشتمون بها عبق الماضي الجميل.
وتراجع الطلب على اللحاف منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، حيث غزت البطانيات المستوردة من الخارج الأسواق، بألوانها وأشكالها المختلفة.
ويقول أبو يحيى ابن الختيار الذي ورث الحرفة عن أبيه: "قبل عشرين عاما كان الاقبال عليها (اللحف) كبيراوكنا ننتج يوميا لحافين لشدة الطلب عليها، أما اليوم فبالكاد نصنع واحدا منها كل أربعة شهور".
واليوم لم يبقَ بغزة سوى محل الصيفي الوحيد الذي ينتج اللحاف بطريقته القديمة، وبأيدي اثنين من أبنائه اللذين تمنيا أن يستمرا في هذه الحرفة حفاظا على التراث الفلسطيني.
ويشار هنا إلى أن عائلتي "الزنط" و"برزق" كانتا من أبرز العوائل التي تصنع الُلحف بأشكالها وألوانها المختلفة في حين تقتصر الحرفة حاليا على عائلة "الصيفي".
وكما أبو محمد أتقنَ أولاده الحرفة لكنه في الآونة الأخيرة انتقل جلهم إلى وظائف أخرى فيما فضل اثنان ملازمتها، للحفاظ على قليلها كما أسرته التي يملك كل فرد من أفرادها بطانية صُنعت بأيديهم فبقيت هي والمندف المعلق على جدار غرفته شاهدَين على تراث غائب في أحيان كثيرة عن المحكيات الأكاديمية والاهتمام في ظل الغزو والتمازج الثقافي للشعوب.


التعليقات : 0