هشام كحيل .. نحات يحول الخشب إلى تحف فنية تنبض بالحياة

هشام كحيل .. نحات يحول الخشب إلى تحف فنية تنبض بالحياة
محليات

غزة / آلاء عوني المقيد

من بين زوايا ورشته المتواضعة تتدلى القطع الخشبية، والمنحوتات الأثرية كعناقيد العنب من سقف المكان، وتُحف وأنتيكا أخرى مصفوفة على الرفوف بشكلٍ يسّر الناظرين، إذ لا يمكنك _ عزيزي القارئ _ أن تظّل في حدود واقعك وأنت تجوب ذاك المكان الصغير بحجمه، الكبير بما فيه من جمال أخاذ وتراثٍ عريق .

 

قد تتساءل وأنت تمسك بتحفة مصنوعة من خشب اللوز مثلاً , كيف لقطعة صماء جامدة , أن تدبّ فيها الحياة إلى الحد الذي تُصبح فيه شكلاً فنياً مُهبراً؟  في ورشته الواقعة على الأطراف الشرقية لمدينة غزة يعمل النحّات هشام كحيل ( 58 عاماً) لساعات طويلة  يُطوّع فيها الخشب حسبما يريد, ويضع بصمته الإبداعية عليه ليخرج بأشكالٍ فنية تمزج بين الأصالة والحداثة .

 

منذ صِغره ونفس ضيفنا تمِيل إلى الأمور العملية في الحياة , حيث كان نشيطاً كثير الحركة, يشدّ انتباهه عمل النجّارين, وما يتعلق بالخشب "فلمِ لا يكون واحداً منهم ؟! " سؤال تبادر إلى ذهنه كثيراً , ولم يكن سهلا إلى والديه أن يتخذ ابنهم قراراً كهذا وهو يعيش وسط عائلة متعلمة تعمل في المجال الأكاديمي، إلا أنهما تنازلا عند رغبته في الالتحاق بالمعهد المهني في القاهرة.  درس هناك وتخرج   عام 1976م، وعمل بمهنة النجارة في أراضي الـ 48   وبعض الدول العربية حتى عام 1997 م ، حين عاد إلى القطاع.

 

البداية

 

يقول كحيل عن بداية عمله في غزة:" فكرت بإنشاء مشروع خاص بي كمصدر رزقِ لاسيما أنه لم يكن أحد متخصص بهذا المجال حينها , فافتتحت ورشة, وكنت أركز على صناعة الأثاث المنزلي وديكورات الغرف والأبواب ومنابر المساجد وغيرها من الضروريات .

 

ثم انتقل إلى النحت على الخشب وصناعة الأنتيكا بعد سنوات من عمل النجارة يُحدثنا عن ذلك:" كنت أسأل نفسي كثيراً كيف يمكنني تطوّيع الخشب بطرق يبرز جماليته أكثر, فتوجهت نحو صناعة التحف الفنية  بطرق ابداعية تمزج بين الأصالة والحداثة , والمدهش أن هناك ذوقاً شعبياً رفيعاً نحو الأنتيكا وهذا ما شجعني على التوغل أكثر بهذا المجال ".

 

هل تكون فكرة العمل محددة مسبقاً لديك قبل البدء ؟  يُجيب  كحيل عن سؤالنا :" لا , الفكرة وليدة اللحظة , فالخشب فيه من المرونة والجمال , ما يُمّكن النحّات من تطويعه بذوق فني عالٍ " , ويُكمل وهو يتأمل التحف الفنية حوله بعين المُحب :" الخشب فيه ملمس خاص , يُشعرك بالراحة وأنت تعمل به , وكيّ يُنتج الصانع أو النحّات لوحة خشبية جميلة ، لابد أن يكون لديه حُب للعمل ، فهذا هو الدافع والداعم الرئيس الذي يُنجح مشروع كهذا ".

 

وأشار إلى أن من أنواع الخشب المستخدمة خشب الجوري وأشجار الزيتون والحمضيات والسرو، واللوزيات، وتُساهم العقد الخشبية داخله في اضفاء لمسة جمالية على التحف .

 

أما فنانا فيُفضل الخشب الحلبي في العمل فهو غنيّ بالألوان الطبيعية الجذابة , وكِما يصِفه  فقد خصّت الطبيعة هذا النوع من الأخشاب بكثير من جمالها , وتختلف المقتنيات الخشبية حسب ذوق وطلب الزبائن :" منها صناديق المهر , وكفرات الجولات و الفخار , مدفع رمضان " .

 

التحديات والعقبات

 

ويبدو لمن يُتابع أعمال النحّات كحيل أنه شغوف بالنحت على الخشب وحبّه للمشغولات اليدوية لكن كغيره من الشرائح في قطاع غزة، تأثر عمل النحّات كحيل سلباً خلال السنوات القليلة الماضية بفعِل الحصار والوضع الاقتصادي السيء في القطاع، عدا منع دخول عدد من أنواع الخشب إلى القطاع، كخشب الزان و القوز، وغيره من الأخشاب مما يؤدي إلى رفع أسعاره إذا سُمح بدخول كميات ضئيلة منه, إضافة إلى أزمة الكهرباء التي تقف كسبب رئيس في تعطل عمله خلال اليوم" .

 

ويجهز كحيل القطع الخشبية للمشاريع الريادية التي تهتم بالنحت على الخشب ويتكفل الشباب بالكتابة والتلوين للزبائن. لكن لماذا لا يتواصل النّحات مباشرةً مع زبائنه بدلاً من أن يكون هناك وسيط بينكما وهي المشاريع الريادية؟  يرّد:" تجهيز القطع الخشبية قبل عملية الكتابة والنحت عليها يأخذ وقتاً طويلاً منّا، عدا أن الكتابة والتلوين لا تحتاج شخص أو شخصين بل هي بحاجة إلى فريق شبابي قادر على الانجاز بأسرع وقت ممكن في جو تحفيزي داعم لبعضهم البعض" .

 

ومع أن العمل في هذا المجال يحتاج لهدوء الأعصاب وصفاء الذهن، إلا أن الغوص في تشكيله ونحته وسلاسته في التعامل يُعد عاملاً مهماً للتفريغ النفسي يُردف عن ذلك :" أدخل إلى المنجرة هروباً من الواقع الذي نعيشه، ملمس الخشب فيه خاصية تمنحك الراحة ومن اللحظة التي أبدأ فيها بالعمل أشعر وأني تخلّصت من رواسب الواقع السيء لأدخل لعالم أكثر جمالاً وسلاسة " .

 

ويختتم حديثه معنا آملاً أن يلقى الدعم الكافي لافتتاح مزار تراثي كبير يُحافظ على الأدوات والأواني الخشبية القديمة كالطاحونة والمهباش , قائلاً :" مهما كان ذاك الزمان بسيطاً إلا أنّه عملي ومريح ويكفى أنه يُعديك إلى زمن الأجداد ويجعلك أكثر تمسكاً بتراثك وأصالتك ".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق