الاستقلال/ جيهان كوارع
الخروج من المحنة وتفاديها ليس بالأمر الهين، فكيف إذا كان هذا الخروج هو بوابة تفتح مصراعيها على الكثير من المشاكل التي يصنعها مجتمع يرى في عاداته وتقاليده أن الحتمية لمن فقدت زوجها هو الزواج من أخ المتوفى، لعدة أسباب تبدو في نظر الكثير غير مقنعة، ويطلب هذا المجتمع من الشخصين اللذان سلبهما الموت أعز ما يملكان أن يكونا سعيدين بزواج جديد وقادرين على تكوين أسرة مثالية.
وتتباين الآراء حول هذا النوع من الزيجات، ففي الوقت الذي يراه البعض مهمة إنسانية بالدرجة الأولى هدفها الأساسي حماية الأطفال من أيدي الغرباء وصيانة لحقوقهم من الضياع، يعتبره البعض مصادرة لحق الرجل والمرأة في الاختيار وتحديد مصيرهما، الامر الذي يسبب متاعب نفسية ومشكلات مستقبلية لكلا الطرفين، وخاصة إذا كان الأخ متزوجاً وله أبناء.
ورقة ضغط
المواطنة عائشة، تحدثت بمرارة عن تجربة ابنتها قائلة: " توفي زوج ابنتي في أحداث الانقسام وكان معها خمسة اطفال وبعد انتهاء عدتها أردنا اصطحابها لمنزل والدها، فرفض أهل زوجها وقالوا إن أخا زوجها "سلفها" يريد الزواج منها للحفاظ على أولاد أخيه وهذه كانت ورقة ضغط ناجحة في يدهم"
وتابعت عائشة "رفضت ابنتي لأن "سلفها" يصغرها بـ 12 عاماً وليس في نفس منزلة صفات وطباع زوجها، معللة رفضها بأنها تستطيع أن تربي اولادها دون الحاجة إلى أحد، لكن رفضها لم يقدم ولا يؤخر حيث تم تهديدها بحرمانها من أبنائها وكل حقوقها اذا لم توافق على الزواج".
وأكدت عائشة، على صعوبة الأمر على ابنتها وخاصة أنها لم تجد من يراعي مشاعرها ولا تدهور حالتها من المصيبة التي ألمت بها بوفاة زوجها، فكان كل ما يهمهم هو منع ميراث المتوفي من الوقوع تحت تصرف ابنتها منوهة إلى أن زوج ابنتها الجديد لم يكن راضياً عن هذا الزواج ووافق تحت ضغط أهله.
وقالت :"كل شئ يكون عن عدم طيب خاطر لا يستمر" معربة عن استيائها من تمسك الناس بفكرة زواج الأرملة من أخي زوجها، معتبرة إياه مهزلة تحدث في حق الأرملة والأبناء والزوج .
قرار صائب
أما المواطن أمجد فيرى أنه يجب بقاء زوجة المتوفى في إطار العائلة وذلك بأن يتزوجها أحد الإخوة خاصة إن كان لديها أبناء، معتبراً أنه من الأفضل أن تراعي المرأة مصلحة أولادها وقبولها لعمهم بأن يكون والداً لهم هو قرار صائب.
وأشار إلى أن مشاعر حزن على الميت يبقى في القلب والحياة يجب أن تستمر ويحفظ الايتام فلا يذلهم أحد غريب، منوهاً إلى أنه إذا قدر الطرفان تضحيات بعضهما البعض لن تظهر أي مشكلة بينهما والأهم ادراكهما بأن أي نزاع هو بمثابة خطر على مستقبل العائلة والأطفال.
الإيجاب والقبول
وفيما يتعلق بحكم الشرع، أكد الدكتور ماهر السوسي أستاذ الفقه بالجامعة الإسلامية، أنه لا مانع شرعياً من زواج الأرملة من أخي المتوفى اذا توافرت شروط الزواج الشرعية والتي اهمها الرضى والقبول من الطرفين.
وأوضح السوسي لـ "الاستقلال"، أنه في حال كان المقصد من الزواج سلبياً ويضر بالزوجة فإنه يتحول إلى إثم وخطيئة على صاحبه ويعد مخالفاً لأحكام الشرع ويقع عليه عقوبة تقرر على حسب الضرر المترتب، منوهاً إلى أن الزواج لا يقع ولا ينعقد أن كان مبنياً على الاكراه والاجبار.
وقال : " طالما أن ارادة احد الزوجين سلبت واصبح مضطراً للزواج فهو يعد مكرهاً فلا يعد زواجاً صحيحاً ولا يؤدي الغرض الذي شرع من أجله الزواج "
وعن حقوق الأبناء لفت السوسي، إلى أنه لا يحق لأي طرف أن يتصرف فيها ولا يتعدى عليها وخاصة الأموال التي تأتي كإعانة لليتيم، ولا يجوز صرفها إلا على تعليمهم واطعامهم وضمان مستقبلهم دون أن يستفيد منها أي أحد أخر غيرهم سواء كان عمهم أو والدتهم أو الوصي عليهم.
اضطرار واستجابة
وبدورها أكدت الاخصائية النفسية والمستشارة الأسرية ليلى أبو عيشة، أن زواج الارملة من أخ المتوفى هي ظاهرة منتشرة عند بعض العائلات وليس كلها وفي بعض المناطق، معللة ذلك إلى كثرة الحروب وخصوصية ظروف الشعب الفلسطيني وارتباط الظاهرة بمدى ثقافة ووعي الأهل أو الزوجة نفسها.
وأوضحت أن أغلبية الذين تضعهم المواقف للموافقة على مثل هذا الزواج لا تكون لديهم رغبة ذاتية تنبع من داخلهم بل هو اضطرار واستجابة لضغوط تمليها عليهم الاعراف والعادات، مشيرة إلى أن هذا الزواج يجعل الطرفين أو كليهما يعاينان من آثار نفسية واجتماعية تؤثر سلباً على مسيرة حياتهما.
وبينت أبو عيشة، أن أبرز هذه الآثار هو شعور المرأة باللامبالاة من الحياة ومحاولة التغلب على مشاعر أن زوجها اليوم كان شقيق زوجها بالأمس، بالإضافة إلى الانفعالات والاضطرابات النفسية والخوف من هدر حقوق أبنائها المادية أو المعنوية والشعور بالندم.
وفيما يتعلق بأسباب فشل هذا الزواج ببعض الأحيان أشارت إلى أن الصدمة التي يصاب بها أحد الطرفين عندما لا يجد الصفات المتوقعة لدى شريكه وخاصة المرأة اذا وجدت أن الزوج يختلف عن أخيه المتوفى في كل شيء، وكذلك المشكلات الناجمة عن اختلاف المستويات الاجتماعية والتعليمية وفارق العمر بالإضافة إلى استغلال الزوج زواجه للاستفادة من أموال الايتام أو ارث أخيه، واذا طالب الزوج المجبر بحقه في الزواج من امرأة أخرى.
وعن تداعيات هذا الزواج على أبناء المتوفى، نوهت أبو عيشة إلى أنه قد يسبب ازمات نفسية لهم في حال كثرت المشاكل بين الزوجين واذا لم يحظوا بالتربة الخصبة الملائمة لتربيتهم داخل المنزل ،أو التمييز بينهم وبين أبناء عمهم ويصبحوا في مكان مقارنة معهم في كل موقف .


التعليقات : 0