على ذمة المعتقدات الشعبية

خزعبلات.. تسكن بيوت الغزيين

خزعبلات.. تسكن بيوت الغزيين
محليات

غزة/ إيناس أبو الجبين:

رش الملح على باب المنزل، وتبخير البيوت، والدق على الخشب للوقاية من الحسد، وقذف السنّ المخلوعة باتجاه الشمس للحصول على أسنان جميلة، أما الحذاء المقلوب فيجلب الحظ السيء، وتشبيك أصابع اليد أثناء عقد القران، نذير شؤم ينذر بتعقيد العلاقة بين الزوجين، جميعها معتقدات شعبية احتلت مساحة كبيرة في عقول كثير من الناس، حتى باتت مسلمات عند بعض الفلسطينيين يؤمنون بها ويطبقونها بصرف النظر عن صحتها وخطئها، كجزء من موروث ثقافي في المجتمع الفلسطيني.

 

ويوجد كثير من الخرافات التي تقتحم أدق تفاصيل الحياة اليومية في الحسد والشؤم والتفاؤل رغم وقوعها صدفة، توارثها الفلسطينيون من أجدادهم فظلت عالقة في عقولهم وسيطرت على أحاديثهم، كسماع صوت البوم ورؤية الغراب وسكب القهوة والتشاؤم من أرقام معينة حتى الضحك بشكل مفرط يتشاءم منه البعض مرددا "الله يجعله خير".

 

وهناك من الموروثات الشعبية التي تظهر عند الفلسطينيين في تعاملاتهم وأحاديثهم اليومية تدفع شخصا لانتظار عزيز عليه عند شعوره "بالنمنمة" في يده اليمنى بينما يدفعه لانتظار أموال من أحدهم لو شعر "بالنمنمة" في يده اليسار، ومن بين تلك المعتقدات أيضا طنين الأذن فهو بالنسبة لمن يشعر به يعني أن ثمة شخصاً بعيداً يذكره بالخير في تلك اللحظة.

 

وتطول قائمة هذه المعتقدات الشعبية التي ما زلنا نسمعها في أيامنا هذه مثل كثرة تقبيل الطفل مضرة تمتص عافيته، وتقطير عينه تمنع الوقاحة، ودهن جلده بالزيت والملح تمنع الحسد، وحبوه يعني ضيفاً قادماً إلى المنزل، وهز سريره الصغير وهو فارغ نذير شؤم، وكنس فناء المنزل وقت الغروب يزيل النعمة، أما دخول الفراشة إلى المنزل مساءً يجلب الخير وسقوط براز الطير على شخص يعني رزقاً قريباً، وقرصة العروس ليلة زفافها يعجل بزواج القارصة.

 

أسيرة الماضي

 

الخمسينية أم محمد أحمد لم تسمح بأن تبقى أسيرة معتقدات حملتها معها جدتها من قريتها "كرتيا" المحتلة فآمنت بها وورثتها لأبنائها ككثير من الناس، فهي لم تكن تلك المرأة التي ترش الملح والشعير على العريس في الفرح لتقيه عين الحاسدين من الحضور، ولم تدق الخشب يوماً لذات السبب، فهي المثقفة الواعية بأنه لا أساس لصحة تلك المعتقدات بعد بحثها الدائم عن مدى صحتها أو خطئها في القرآن والأحاديث النبوية.

 

لكن أم محمد ذاتها كانت قد أمسكت بقطعة عجين و"ضمة" ريحان يوم زفافها ألصقتها على باب غرفتها قبل دخولها ظنا منها أنه بعد تثبيتها ستلتصق كالعجين في البيت وتنجب الكثير من الأولاد كما نصحتها جدتها " مشان تخمري وتضلي" 

 

وتذكر أم محمد ضاحكة، إحدى المعتقدات الشعبية القديمة والتي ما زال البعض يقوم بها عند الظهيرة من يوم الجمعة وهي ما يٌعرف ب "طَش رصاص"، تضع فيه السيدة كرات رصاص في طِشت على رأس الطفل بعد تسخينها وما ينتج عنه من تشكلات يتم قراءته لمعرفة إن كان محسودا وسبب هذا الحسد، مستدركة " كله كلام فاضي ".

 

موروثات شعبية

 

أما السبعينية أم حسام أبو كرش، التي تعود أصولها لقرية بيت جرجا، أوضحت أنه بينما كان عمرها ثمانية أعوام صنعت لها والدتها حجابا من قطعة قماش بيضاء ليبقى معلقا في رقبتها دائما لـ "رد" العين وجلب الزرق.

 

وتقول أبو كرش لـ "الاستقلال"، "رف العين اليمنى دليل على خير سيأتيك، ورف اليسرى سوء وشرّ قد يصيبك، وطنين الأذن اليمنى دليل على أن ناس بعيدين يذكرونك بالخير في هذه اللحظة، أما طنين اليسرى فإنهم يذكرونك بالسوء."

 

وتوضح أبو كرش، أن هذه المعتقدات، جربت في كثير من الأوقات وكانت معظمها حقيقة ولذلك أصبحت موروثة لدى الكثير من الناس يعتقدون صحتها.

 

أما بلال سلامة، مدير مركز الخدمة المجتمعية في جامعة النجاح الوطنية، كان له رأي آخر قائلا:"إن الحنين لماضي الإنسان وأجداده يدفعه لممارسة تلك المعتقدات"، مضيفا " أنه إن لم يكن بها ضرر فلا مشكلة بها فالصينيون مثلا لديهم معتقدات في أرقام معينة رغم التطور التكنولوجي والاقتصادي لديهم.

 

ويرى سلامة في حديثه لـ "الاستقلال" أن وسائل الاعلام والاتصال الحديثة هي أخطر من تلك المعتقدات كالترويج لأفكار معينة بين طلبة المدارس والجامعات، والتضليل الإعلامي في قنوات تلفزيونية كثيرة كلها باتت أقوى في تأثيرها عن غيرها.

 

لا تتوافق مع الدين

 

 من جانبه أكد أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الإسلامية الدكتور ماهر السوسي، أن ما يوافق مع التشريع فهو مباح وما يُخالفه يعد غير مباح، ومن مقررات التشريع الإسلامي عدم التشاؤم، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول، ويعجبني الفأل"، مبيناً أن النص النبوي ينهى عن التشاؤم وبالتالي لا يجوز الايمان بهذه المعتقدات الشعبية لأنها تخالف ما جاءت به نصوص الشريعة.

 

وعن العمل بكل ما يبعد الحسد أوضح السوسي، أنه يعد شركا لأنه ناجم عن اعتقاد الناس ان الرصاص وغيره هو الذي يزيل الحسد لقوله صلى الله عليه وسلم:  "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".

 

وأشار إلى ضرورة الرجوع عن تلك المعتقدات لأنها لم تذكر في الكتاب والسنة النبوية، وبالتالي يقع على عاتق وسائل الاعلام على اختلافها تفنيد تلك التصرفات وبيان ما يتفق منها مع الشريعة الإسلامية وتوضيحه للناس.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق