الاستقلال/ أمل بريكة
تنتظر ربات البيوت فصل الربيع من كل عام بفارغ الصبر، ليس لاعتداله وجمال طقسه فحسب، بل لأنه الموسم المنتظر لنُضج نوع معين من الأكلات الشعبية الفلسطينية المفضلة لمعظم البيوت. "الدوالي" أو ورق العنب المحشو بالأرز، من أشهر الأطعمة الفلسطينية بل الشامية التي تتفنن النساء في طبخه وتخزينه لضمان تناوله طوال العام، خاصة في شهر رمضان الكريم الذي لم يبق على قدومه سوى أيام معدودة.
في نفس موعده السنوي، بدأ ورق العنب الأخضر ناعم الملمس بالتوافد على الأسواق، وانتشر باعته في كل ركن وزاوية، يتفننون برص أوراقه على شكل أعمدة صغيرة بطريقة تجذب الزبائن لشرائه، وخاصة أفضل أنواعه وهو ما يعرف محلياً باسم "زيتاني".
موسم منتظر
خالد أبو صالح أحد باعة ورق العنب يوضح أن هذا النوع من الأكلات الشعبية الشهيرة، التي وردت حتى في الأناشيد التراثية، لا يكاد يخلو بيت فلسطيني منه، ومحبوه يحرصون على تواجده على موائدهم في هذا الوقت باستمرار.
وبين أبو صالح لـ"الاستقلال"، أنه يتوجه إلى كروم العنب المنتشرة شرق مدينة رفح، ويختار أفضلها من النوع الناعم الملمس، ويشتري من مالكه ورق العنب، ثم يعود إلى السوق لبيعه.
وأشار أبو صالح، إلى أن الزبائن يقبلون عليه بشكل كبير، فهو سلعة رخيصة الثمن، ويُصلح لِصنع طبق مميز يزين المائدة.
طبق يومي
أما المواطنة أم مروان الزطمة، التي تشتري دائماً ورق عنب من نوع "زيتاني" من أحد الباعة في السوق، أوضحت أن ورق العنب إحدى الأكلات التي تُقدم بشكلين، إما منفردة، أو إلى جانب أطباق أخرى، مشيرة إلى أنها تحرص على أن تكون أطباق ورق العنب على مائدتها بشكل دائم.
وأشارت الزطمة لـ"الاستقلال" إلى أنها طوال فصل الربيع وبداية الصيف، تحرص على أن يكون ورق العنب متواجداً لعشق ابنائها له بشكل كبير، وتقدمه بشكل منفرد أو بجانب الأصناف الأخرى كالكوسا والباذنجان المحشي إن توفرت.
ونوهت الزطمة، إلى أنه ورغم المشقة التي يتطلبها إعداد ورق العنب، من سلقه وحشيه وطهيه، إلا أنها لا تستغني عنه، لمذاقه الذي لا يشبه أي طعام آخر، ومنه تخزن ما يكفيها طوال العام.
وأوضحت الزطمة، أنها لا تعلم كم عُمر هذه الأكلة اللذيذة، لكنها واثقة من قدمها، فسبق ورأت جدتها ومن ثم والدتها تطهوها، وأخبرها والدها أنها قديمة، وكانت تتسيد الموائد قبل الهجرة عام 1948.
طرق تخزين
وتقول المواطنة أم خالد الجمل، من سكان مدينة رفح، أن ورق العنب له نكهة مميزة عن باقي الأطعمة، وهو طبق خفيف مفيد يزين السفرة، وممكن أن يصاحب أي طعام.
وأكدت الجمل، انها استعدت مُبكراً للموسم، وتنبهت لأزمة الكهرباء التي تمنعها من التخزين وفق الطريقة المعتادة، بوضع الورق في الثلاجة، لذلك جلبت زجاجات بلاستيكية فارغة، وهي الطريقة التقليدية القديمة لحفظ وتخزين ورق العنب، موضحة أنها تغسل الأوراق، وتجففها بعناية، ثم تضعها في زجاجة بلاستيكية، شريطة ألا تزيد كمية الورق في الزجاجة عن وجبة واحدة، لأنه إذا ما فتحت لا يصح تخزين ما فيها.
ونوهت الجمل، إلى أنها تضع الزجاجات في مكان جاف ومعتم، وكلما أرادت تخرج واحدة لاستخدامها، ويكثر طهيها لورق العنب في شهر رمضان.
وبينت أن هناك أكثر من نوع من ورق العنب، أفضلها الزيتاني، وهناك طرق متعددة لإعداده، فهي تفضل اضافة زيت الزيتون له، وتحشو الاوراق بالرز مع قليل من اللحم المتبل.
موسم خير
وبدوره أوضح المزارع أبو الهيثم في حي الزهراء وسط قطاع غزة، أنه قام هذا العام بزارعة دونم من شجر العنب بهدف الاستفادة من أورقه وليس بهدف الاستفادة من ثمرة العنب نفسه، وذلك لاستمرارية ورق العنب في الإنتاج والتجدد مع الرعاية الكثيفة.
وأشار أبو الهيثم لـ"الاستقلال" إلى أن أوراق العنب أكثر السلع رواجاً ويقبل المواطنون على شرائه بكثرة من أجل التخزين حتى أكثر من فاكهة العنب نفسها، كما أن المردود المادي لورق العنب أكبر بكثير من العنب نفسه ولذلك لا يضيع موسمها.
وبالنسبة لأجود أنواع ورق العنب، بين أن أفضل الأنواع هو ما يعرف بالزيتاني ويتم قطفه قبل بزوغ الأزهار، واحياناً بعد عقد الأزهار، حيث تؤخذ الأوراق المكتملة النمو والطرية منها والرقيقة الملمس وقبل أن تتخشن.
وبين أن عملية قطف الأوراق، يجب أن تتم بعناية فائقة دون إيذاء القطوف والأغصان، مع ضرورة إبقاء كمية من الأوراق كي تعيد الشجرة وظائفها الحيوية، مؤكداً أن قطع الأوراق بكمية كبيرة قد يتسبب بتلف الشجرة وموتها في بعض الأحيان.
وأشار إلى أن الغزيين يعتمدون في اختيار أنواع ورق العنب على طعم الأوراق الحامضي وملمسها الناعم، مؤكداً على أن الزيتاني أطيب الاوراق وأسهلها مضغا وأكثرها طلبا، ويجب الأخذ بعين الاعتبار الأحجام المناسبة للأوراق عند شرائها وألا تكون مصابة أو متضررة بثقوب.


التعليقات : 0