غزة/ دعاء الحطاب:
مواطنون دفعتهم أزمة الرواتب والظروف الاقتصادية الصعبة التي عصفت بقطاع غزة مؤخراً، إلى طرق أبواب البقالات والمحال التجارية المتناثرة في أزقة وشوارع قطاع غزة، بغية الحصول على بعض مستلزماتهم الضرورية بالاستدانة، ليصبحوا أسرى دفاتر ديون تستنزف مواردهم الشحيحة في النهار وتقلقهم في الليل.
وباتت شرائح واسعة في القطاع تعتمد على دفتر الديون في تيسير أمورها اليومية، كونه المتنفس الوحيد لهم لتجاوز الازمات التي تثقل كاهلهم يوماً بعد يوم، وسد رمق اسرهم التي باتت تفترش الأرض وتلتحف السماء، غير أنه في الآونة الأخيرة لم يعد يقتصر الأمر على الاستدانة من أجل المواد التموينية بل بات يشمل طرق أبواب الصيدليات لأخذ العلاج "بالدين"، وكذلك محال الملابس أو الحلاقة وغيرها لحين صرف رواتبهم نهاية الشهر، أو صرف " شيك الشؤون" كل ثلاثة أشهر.
ويعاني أهالي القطاع من تدهور متواصل في حياتهم المعيشية والاقتصادية، بسبب الحصار الإسرائيلي الفروض عليهم للعام الحادي عشر على التوالي، وقيام السلطة الفلسطينية بخصم 30% من رواتب موظفيها فضلاً عن التقاعد الاجباري الذي حل بكثير منهم، بالإضافة الى تهديدات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين " الأونروا" بتقليص خدماتها للاجئين.
طوق النجاة
لم يسلم عامل البناء أحمد أبو رزق من قسوة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع، فهو يتلقى جزءاً من أجره كل اسبوعين تقريباً، الأمر الذي دفعه لطرق أبواب المحال التجارية وفتح " دفتر دين" يمكنه من توفير الاحتياجات الاساسية لأسرته.
ويقول أبو رزق خلال حديثة لـ"الاستقلال": " في البداية حاولت كثيراً تقبل فكرة استدانة الطعام والاحتياجات البسيطة من صاحب البقالة المجاور لمنزلي لكن لم استطع وشعرت بإحراج كبير، وعندما اشتد الحال سوءاً بعثت ابني بورقة صغيرة لصاحب المحل مسجل عليها ما نحتاجه طالباً منه فتح دفتر دين خاص بي".
وأضاف أبو رزق:" اتفقت مع صاحب المحل ان يتم دفع الدين مع بداية كل شهر، لكن منذ ثلاثة شهور لم أستطع تسديد أي جزء من الديون المتراكمة في دفتر الدين حتى وصلت لـ 800 شيكل، الامر الذى جعل البائع يقوم بتجميد حسابي لحين أسدد المبلغ، مما اضطرني إلى اللجوء لبقالة أخرى في الشارع الخلفي للمنزل ".
وأوضح أبو رزق، أن دفتر الدين أصبح طوق النجاة الوحيدة للمواطنين من الازمه الاقتصادية والظروف المعيشية المأساوية في القطاع، رغم أنه يُشكل عبئاً كبيراً عليهم في حال عجزوا عن تسديد الدين في الوقت المتفق عليه مسبقاً مع البائع ويضعهم في مواقف محرجة وصعبة.
وتساءل أبو رزق بقلق:" لو أصحاب المحال أغلقوا دفاتر الديون و عزفوا عنها، كيف سنعيش ونطعم أولادنا ؟! فهو السبيل الوحيد لنا في ظل تلك الظروف الصعبة وقلة ذات اليد؟".
البنك الآمن
ولم يكن حال المواطن أبو حسام شموط، أفضل من سابقه، فهو الاخر اضطر الى فتح دفتر دين له في العديد من المحال التجارية المختلفة لتوفير متطلبات الحياة المتزايدة، فهو لا يقوى على الدفع دوماً وينتظر شيك الشؤون كل ثلاثة شهور لتسديد ما عليه من ديون.
ويقول شموط الذي يُعيل أسرة مكونة من ثمانية أفراد:" «الفقر والجوع يجبران الانسان على طرق كافة الأبواب وافتعال المستحيل من أجل توفير متطلبات اسرته وعدم اشعارهم بالدونية، لذا لجأت الى فتح دفاتر دين في أكثر من مكان، كبقالة الأغذية ومحال للملابس وكذلك الصيدلية».
وأردف شموط لـ"الاستقلال":" أن دفتر الدين حل الكثير من الأزمات التي وقعنا فيها وساعدنا في توفير احتياجات أبنائنا في أصعب الأوقات دون الشعور بالإحراج أو الوقوع في ألسنة الأقارب والمعارف، فهو بمثابة البنك الآمن للفقراء كونهم يستطيعون الحصول على ما يريدونه وقف آلية تسديد محددة".
ويشير إلى أن راتب شك الشؤون الذي يحصل عليه بقيمة " 1200شيكل"، سريعاً ما يعطيه لأصحاب المحال سداداً لدينه، لكي يقبلوا التعامل معه واعطاءه ما يريد من أساسيات مرة أخرى.
ويؤكد أن العيش مع الدين شيء مؤلم يؤثر على نفسية الشخص ويُقلقه دائماً، فصاحب الدين لا ينام ولا يعرف للراحة طريقاً كون همه الوحيد تسديد ديونه أولاً بأول، خوفاً من أن يُقفل أصحاب المحال باب الدين في وجهه.
يُحتم عليهم البيع
ومن جانبه، أكد حسن ياسين صاحب محل أغذية، أن محله لا يخلو من دفاتر الدين ويتعامل فيها مع ما يقارب 50 شخصاً يقومون بتسديد الديون بصورة شهرية عند استلام الرواتب، ولديه دفتر يومي يكون تسديده بصورة يومية من قبل أصحاب المحال والمطاعم ممن يتعاملون معه بالدين.
وأضاف ياسين لـ"الاستقلال"، أنه بالرغم من المشكلات الكبيرة والخسائر التي يتعرض لها بسبب التعامل بالديون، وعجزه عن سداد فاتورة توريد المنتجات من التجار والموزعين، إلا انه لا يستطيع رفع شعار "ممنوع الدين"، نظراً لأن الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب في القطاع يُحتم عليه البيع بالدين.
ويتابع: " بعض الزبائن وصلت ديونهم لأكثر من 1000شيكل، ورغم محاولتي لحثهم على الدفع إلا أن أوضاعهم المادية صعبة حالت دون ذلك، وتأثرت شخصياً بسبب قلة المال وأجبرت للاستدانة أيضاً من تجار آخرين لأستطيع تزويد المحل بالمنتجات اللازمة".
وبين أن البيع بالدين مع سكان الحارات له مساهمة ايجابية في تنشيط مبيعات البقالات وذلك في حال سداد المواطنين حسب آلية معينة، منوهاً إلى أنه إذا أحجمت إحدى البقالات عن البيع بالآجل فإن مبيعاتها ستخفض بنسبة قدروها 40%. وأشار الى أن عدداً كبيراً من أصحاب البقالات في القطاع أغلقوا دفاتر مديونيات الزبائن قبل نهاية العام الماضي تفادياً للعجز عن سداد تكاليف السلع التموينية، وأنهم منحوا زبائنهم مهلة للسداد وبعضهم قاموا بمسامحتهم.
ووفق احصائيات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فإن الحصار الذي تفرضه "إسرائيل" على قطاع غزة رفع نسبة الفقر بين سكانه إلى 65%، وارتفعت نسبة البطالة في الآونة الأخيرة إلى 47%، بالإضافة إلى أن 80% من سكان القطاع باتوا يعتمدون على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة اليومية.


التعليقات : 0