الاستقلال / جيهان كوارع:
مع استمرار الحصار الإسرائيلي وزيادة الأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة التي اغرقت الشارع الغزي بجيوش من العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية ومن أرقى التخصصات، أصبحت الشبكة العنكبوتية هدف العشرات من الخريجين، وواحدة من أهم طرق البحث عن فرصة عمل تنشلهم من وحل البطالة. ويكابد الغزي ليجد نافذة لا سلطة للقيود ولا للحدود عليها، من أجل إيجاد عمل له في أماكن خارج بلده، يصل إليه عن طريق شبكة الانترنت، وهو ما يعرف بالعمل عن بُعد الذي لجأ إليه كثير من الشباب الفلسطينيين، بسبب محدودية فرص العمل أمامهم، وصعوبة الخروج من قطاع غزة نتيجة الحصار وإغلاق المعابر.
فرص ذهبية
من خلف شاشة جهازها المحمول التي تعج بنوافذ مواقع متنوعة، تحدثت مريم العيلة ( 28 عاماً) عن تجربتها في هذا المجال قائلة :" أنا خريجة لغة انجليزية لم يحالفني الحظ بوظيفة مؤقتة ولا دائمة ، ونصحتني احد الصديقات باستغلال الانترنت فهو مليء بالفرص الذهبية والثمينة "
وأضافت العيلة، أنها وعن طريق الصدفة استطاعت الوصول لإحدى منصات العمل الحر الأجنبية فدخلتها من باب الفضول ووجدت ضالتها هناك وهي عمل في ترجمة النصوص من اللغتين العربية والانجليزية مقابل مبلغ مالي يصلها إلى بيتها.
وعن طبيعة عملها، أوضحت أنها تتمثل في طرح مهارتها بإمكانية ترجمة أي نص سواء مكتوب أو مسموع من اللغة الانجليزية وتنسيقه أو تحويل النصوص العربية إلى اللغة الانجليزية بإتقان عالٍ على منصات العمل العربية والدولية فيتواصل معها مندوبو الشركات.
وأشارت العيلة إلى أنها تتلقى أجرها على دفعتين الأولى بعد الاتفاق على انجازها للعمل والثانية بعد تسليمها للمهمة الموكلة إليها فيقوم مسؤول المنصة بتحويل الاموال إلى اسمها وعنوانها في وقت قصير.
وتعاني العيلة، كأمثالها من رواد هذا العمل من أزمة الكهربا، قائلة " التأخر في التسليم يفقدني حقي في العمل وبالتالي تقل درجة ثقة الزبائن بقدرتي، وايضا الساعات الطويلة التي أقضيها في الجلوس خلف الجهاز سببت لي مشاكل صحية وبصرية ".
وأعربت العيلة، عن ارتياحها لوجود مثل هذا العمل لها في ظل قلة فرص التشغيل المتاحة، بالإضافة إلى أن عملها لا يتقيد بزمان أو مكان ولا يتعارض مع مسؤولياتها في تربية أبنائها والقيام بمهامها المنزلية.
دون التزامات
الشاب أحمد مرتجى (26 عاماً ) خريج هندسة الكترونية، أصبحت غرفة نومه هي مكان عمله ومكان استراحته، أوضح أنه دخل مجال العمل عن بُعد عقب فشل كل محاولاته في الحصول على وظيفة تناسب تخصصه في قطاع غزة، فوجد في هذا العمل فرصة مناسبة بأجر يلائم ظروفه .
وبين مرتجى لـ "الاستقلال"، أن طبيعة عمله تقوم على البحث عن مشروع برمجي يعلن عنه صاحبه ويرغب في تنفيذه عن طريق عامل له خبرة في المجال، فيقوم بعرض امكانياته لصاحب المشروع ويتفق على موعد لإنجاز العمل وعلى الأجر المادي، مشيراً إلى أن الدخل الذي يوفره من عمله جيد ويلبي احتياجاته ومصاريفه.
ولفت مرتجى، إلى أن "العمل عن بعد" يعد سهلاً وخالياً من الالتزامات المعقدة، معرباً عن سعادته بهذا العمل رغم عدم ثباته ولكنه يشعره بأن له مهمة تخرجه من صعوبة الظروف ومن دائرة البطالة.
وعن أهم المعيقات التي تواجهه، أكد أن أهمها الانقطاع المستمر للكهرباء والذي يتجاوز ساعات طويلة قد تؤخر تسليم الاعمال في موعدها بالإضافة إلى عدم استقرار العمل ووجود عدد كبير من المتنافسين عليه.
مجال مفتوح
بدوره أكد الدكتور وليد المدلل، رئيس قسم الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة الاسلامية على أهمية مجال العمل عن بعد نظراً لقدرته على تمكين الشباب الفلسطيني من تجاوز شروط الواقع المتمثلة بإغلاق المعابر ووفر لهم امكانية عمل يتحدون من خلاله قيود السفر والتنقل والارتباط بفتح المعابر .
وعزا المدلل في حديثه لـ "الاستقلال"، الدافع وراء اتجاه الشباب للعمل عن بعد، لكونه مجالا مفتوحاً ويعزز تواصلهم مع نظرائهم الشباب في جميع دول العالم ومع قوى العمل الالكترونية وساعدهم على تجاوز ظروف الحياة الصعبة من ارتفاع نسب البطالة بشكل كبير والفقر في غزة.
وأوضح أن هناك اقبالا على هذا العمل ولكنه يبقى مقتصر على عدد قليل من الافراد وبعض الشركات فهو يحتاج مهارات خاصة ومتطلبات تقنية معينة لا تتوفر لدى الجميع، لافتاً إلى أن الاسعار والاجور التي يتلقاها العاملون في هذا المجال متواضعة ولا تخضع لمعايير السوق وظروف العمل المتباينة من دولة لأخرى.
وأشار إلى أن هذه الاجور هي تخدم مصلحة شخصية لفرد وتحل مشكلة لكنها ليس بالحجم الذي يمكن أن يترك تأثيراً بالسوق الاقتصادي الفلسطيني، منوهاً إلى أن خريجي جامعات قطاع غزة لديهم مهارات تؤهلهم للمنافسة والانخراط بسهولة في انشطة هذا المجال.
وقال المدلل :" جامعاتنا بحاجة إلى تطوير نظمها التعليمية والتطبيقية لمواكبة التطور التكنولوجي الحديث على مستوى المنطقة العربية والعالمية الذي بات الكثير من الاعمال في السوق مرتبطاً به بشكل قوي."
وحول سلبيات العمل عن بعد ذكر المدلل، انها تتمثل في عدم خضوعه لشروط ويتم بعيداً عن رقابة جهات رسمية ولا يوفر لصاحبه أي تأمينات او عقوداً رسمية في معظم الأحيان، وعدم قدرة الفرد على جلب ارباب العمل للمساءلة القانونية في حال حدوث تجاوزات، لافتاً إلى ضرورة وجود قوانين تضبط هذا العمل وتحفظ العامل من تعرضه للابتزاز او ضياع مستحقاته المادية.
وفيما يتعلق بدور الجهات المختصة أكد المدلل أن مسؤولية تنظيم هذا العمل يجب ان تتم بالشراكة بين الجامعات والقطاعات الخاصة والعامة والوزارات الحكومية خاصة وزارة العمل، وكذلك لا بد من تطوير ثقافة المجتمع لتصبح أكثر اقتناعاً بأن المهن التقليدية باتت تتراجع امام مهن الآفاق التكنولوجية.
وتابع :" الكثير من الدول أصبح لديها قانون لهذا المجال ونحن بحاجة إلى لوائح فلسطينية تحمي العاملين من بلادنا"، مبيناً أن هذه الاعمال هي مؤقتة ولا يمكن اعتبار من التحقوا بها قد خرجوا من دائرة البطالة ولا شك أنهم استطاعوا تجاوز معيقات الحصار وحصلوا على عمل بسيط يضمن لهم حق ادنى من الحياة الكريمة .


التعليقات : 0