غزة/ دعاء الحطاب:
ظن أن الحرية ستمنحه كل ما يحلم، حياة بعيدة عن قضبان السجن، زوجة وأبناء يعيشون معاً في بيت دافئ وجميل، لكن سرعان ما تحطمت هذه الأحلام على صخرة الواقع، اذ لم تشفع له سنوات النضال والأسر، فقد قطع راتبه الذي كان يتلقاه من السلطة الفلسطينية، ليصبر ويحتسب.
قطع راتب الأسير المحرر هاني اللحام، لم يكن كل شيء، فالأيام كانت تخبئ له الأسوأ، وما هي الا أشهر معدودة حتى بات عاجزاً عن دفع بدل ايجار شقته، ليطرد منها ويذهب عند بعض الأقرباء لكن أحداً لم يحتمله، ضاقت به الدنيا ولم يجد إلا البحر، قصده وعائلته، جمع قطعاً من القماش والنيلون وأقام خيمة، ظناً منه أنها فترة مؤقتة وستزول، مرت سنة وسنتان وثلاث وهو يقطن ذات الخيمة البالية، تطارده البلدية وتهدمها له، لكنه يعيد إنشاءها فلا مكان له غيرها.
ولم يكن الأسير المحرر اللحام، بعيداً عما آلت إليه أوضاع المواطنين في قطاع غزة، فمع ضيق الحال وفقدان القدرة الشرائية، بدأ يخسر عمله المتواضع، اذ كان يمتلك عربة صغيرة يبيع عليها الشاي والقهوة للمتنزهين على شاطئ البحر، تراجع به الحال حتى بات عاجزاً عن تعبئة اسطوانة الغاز وشراء ما يلزم من احتياجات، فهو عاطل لا يدر على أبنائه أي دخل.
بيتنا خيمة
"أكثر من 3 سنوات ونحن نعيش في خيمة صغيرة لا تصلح أن تكون عشاً للدجاج، ففي الصيف تكون مقبرة من شدة الحرارة، وفي الشتاء تصبح ثلاجة، أما في النهار فنكون فرجة للمارة وفي الليل ننام مع الفئران" بهذه الكلمات بدأ اللحام حديثه لـ"الاستقلال" وقلبه يتفطر ألماً وحزناً على عائلته المكونة من 4 أفراد، والتي تفتقد أدني حقوقها في العيش بكرامة.
بوجه شاحب أرهقته الهموم، يروي اللحام (57 عاما) تفاصيل معاناتهم:" بعد خروجي من سجون الاحتلال عام 2012، صرفت لي وزارة الاسرى راتباً شهرياً من خلاله كنت أدفع إيجاراً للمنزل و أوفر جزءاً بسيطاً من احتياجات ابنائي، لكن بعد حرب الاخيرة على القطاع تفاجأت بقطعه وانقلاب حياتنا رأسا على عقب".
ويتابع اللحام بابتسامةٍ خافته:" بعد قطع الراتب لم أعد قادراً على دفع ايجار المنزل وتراكمت الديون حتى طردنا صاحبه في الشارع، وعندما أُغلقت كافة الأبواب بوجهنا لم أجد سوى البحر ملجأً ومأوى، نصبنا خيمة مؤقتاً لكن لم نكن نعلم انها ستصبح بيتنا الدائم".
"إن شاء الله خير" هذه هي خلاصة ردود مؤسسات كثيرة لجأ إليها اللحام، بعضها قدمت له حلاً بكسوة الخيمة بالنايلون المُخمل، ومن ثم تأتي عواصف الرياح وتمزقه، والبعض الأخر أعطوه وعوداً بتوفير بيت يؤويهم الا أنها لم تدخل حيز التنفيذ منذ سنوات.
وأضاف بصوتٍ مرتجف:" مش طالبين قصر ولا حتي بيت ملك، أكبر أمنياتنا أن يساعدنا أحدهم وينهي معاناتنا في شقة سكنية تؤوينا حتى لو بالإيجار، خاصة أني لا استطيع العمل أو توفير مصدر دخل لأسرتي".
أشبه بالأموات
وفي زاوية الخيمة كانت الأم تجلس على حصير مهترئ، تحاول سد جوع أطفالها الثلاثة بما توفر من طعام، وحينما يشتد حزنها عليهم تنظر إلى أشعة الشمس المتسللة من ثقوب الخيمة التي تؤويهم جميعاً، لعل أشعتها تجدد أملها في الانتقال إلى بيتٍ دافئ.
بعدما كفكفت دمعها، تقول زوجة "اللحام": " لولا مساعدة أهل الخير لتشردنا ولم نجد لقمة واحدة نأكلها، ولكان الحال بالويل أكثر مما نحن عليه".
وأردفت خلال حديثها لـ "الاستقلال"، "نفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة أنا وعائلتي في هذه الخيمة لكننا مجبرون على العيش داخلها كونها مأوانا الوحيد في ظل الفقر الذي نعيشه وعدم توفر فرصة عمل لزوجي المريض، حالنا بات أشبه بالأموات".
وأكملت حديثها:" كان مصدر رزقنا الوحيد عربة صغيرة نبيع عليها الشاي والقهوة للوافدين الى البحر، لكن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في القطاع زادت الطين بلة وضاعفت معاناتنا، جعلتنا غير قادرين على شراء غاز الطهي مما اضطرنا إلى اغلاقها، وذلك نتيجة تراجع اقبال الناس على الشراء".
وفي الوقت الذي كانت الأم تتحدث بحرقه عن معاناتها، أشارت بإصبعها الى حقائب أطفالها الممزقة وملابسهم البالية، قائلة:" في بداية العام الدراسي أصر علي مجموعة من أهل الخير على ارسال ابنائي للمدرسة وتكفلوا بكافة احتياجاتهم، لكن هاد الفصل لم يحضروا الينا أي شيء من مستلزماتهم، ولم أستطع ارسالهم للمدرسة كباقي الأطفال في سنهم".
" أرضينا بالهم والهم مش راضي فينا" هكذا أعربت اللحام عن استيائها من مطاردة رجال البلدية الدائمة لهم، بحجة أنهم يقيمون على أرض حكومية، متسائلة: "وين بدنا نحط خيمتنا عشان يحلوا عنا؟ نحطها في منتصف الشوارع ولا على أبواب المؤسسات الحكومية ؟".
ووجهت العائلة، من خيمتهم التي اكتست بالغبار والاتربة، صرخة إلى الجهات المعنية في السلطة الفلسطينية ووزارة الأسرى في رام الله ووزارة الإسكان، أن يمدوا يد العون والمساعدة لهم من أجل انهاء معاناتهم التي لم تتوقف منذ أعوام.
ولم تكن عائلة "اللحام" العائلة الوحيدة التي اتخذت من الخيام مسكناً ومن أرصفة الشوارع بيتاً لها، فهناك العديد من الأسر عصفت بها الظروف الاقتصادية الصعبة في القطاع وأجبرتها على العيش في الخيام بعدما عجزت عن دفع بدل الايجار لأصحابها.


التعليقات : 0