غزة/ دعاء الحطاب- خولة عليان :
للهجات بصمتها المميزة في عراقة الشعوب وهويتها، اذ تُعرف جنسية المتحدث مجرد نطقه بحروفها، حت إنها تجعلك قادراً على معرفة المنطقة التي جاء منها بدقة، فكما أن لكل شعب لهجة عامة فلكل منطقة لكنة تحمل في طياتها تفاصيلٌ صغيرة تميزها، وهذا الحال ينطبق على اللهجة الفلسطينية اذ يعتريها تنوعٌ واضح في نطق بعض الحروف بالانتقال من منطقة جغرافية لأخرى.
وعلى الرغم من أن اللهجة تعكس خلفية صاحبها الاجتماعية والثقافية، الا أن اختلاف اللكنة في بعض الأحيان قد يعرض صاحبها إلى السخرية والتهكم أثناء التواصل مع الأخرين، وقد يكون سبباً في التحيز ضده، وهو ما جعل البعض في قطاع غزة يغيرون لكناتهم الأصلية، للتخلص من النظرة السلبية للآخرين والهروب من الاستهزاء، أو بدعوى التحضر والتمدن أو لتحقيق هدف معين، فيما يرفض آخرون التخلي عما نشأوا عليه.
هروباً من السخرية
بسمة طالبة جامعية تختلط بالعديد من الفتيات اللواتي يتحدثن بلكناتٍ مختلفة، خلال رحلتها التعليمية من مدينة دير البلح إلى جامعتها وسط غزة، والتي تستغرق أكثر من ست ساعات يومياً، ورغم حبها للهجتها البدوية الا أنها لا تستطيع التحدث بها مع زميلاتها في الجامعة كي لا تتعرض للسخرية منهن.
وقالت بسمة لـ"الاستقلال": " في سنة أولى جامعة كنت أتحدث باللهجة البدوية كطبيعتي، لكن عندما بدأت الاختلاط مع زميلاتي واجهت العديد من التعليقات الساخرة على الكلمات غير المعروفة لديهن أو حينما ألفظ كلمات بطريقة مختلفة عنهن، وأحياناً كانت تستمر سخريتهن لأيام حتى أنهن ينادينني بكلماتي الغريبة".
وأضافت:" بالبداية أخذت سخريتهن على أنها مزاح لكن حينما تطور الامر قررت تغير لكنتي هروباً من الاستهزاء والسخرية، ففي المنزل أتحدث باللهجة البدوية التي أحبها وأرتاح لها، لكن في الجامعة أتكلم بلهجة مناسبة للجميع ورسمية في بعض الأحيان في محاولة للتأقلم مع أُناسٍ أقضي معهم جُل وقتي"، مشيرةً الى أن التحدث باللكنة غير الأصلية يُشعر الانسان بالتصنع والتكلف لكن يُجنبه الوقوع بسخرية الأخرين.
وأكدت بسمة، أنها عندما تعود إلى المنزل لا تستطيع أن تتحدث باللكنة "المدنية" التي تتحدث بها في الجامعة أمام أهلها في البيت، لانها تتعرض للتوبيخ من أهلها، لافتة إلى أن بعض صديقاتها نصحنها بعدم التحدث بالبدوية وخاصة الألفاظ غير المفهومة لدى البعض، كي لا تكون مدعاة للسخرية من الآخرين.
بدعوى التحضر
ووافقتها الرأي المعلمة والفنانة التشكيلية نادية طعيمة، والتي أوضحت أنها عندما تتحدث بلكنتها "السلوية" مع زميلاتها خارج منطقتها وأثناء عملها كفنانة تشكيلية، وفي اللقاءات التي تجمعها بالعديد من الناس من لهجات مختلفة، تجد نوعاً من السخرية تجاه لهجتها من قبل بعض المتمدنين خاصة في مدينة غزة، مبينة أنها تغير بعض الكلمات حتى لا تتعرض للسخرية.
وبينت طعيمة لـ "الاستقلال" أن البعض يغير لهجته بحسب البيئة التي يتواجد فيها، فمن يقضي أكثر من نصف يومه خارج المنزل يتأثر بلهجة زملائه ويحاول تقليد تلك اللهجات، لافتة إلى أن الظروف تفرض على الإنسان مواكبة التطور في كل شيء حتى لهجته التي يعتز بها والتي تعبر عن الملامح الثقافية والاجتماعية المتوارثة للبيئة الاصلية له.
وأشارت إلى أن البعض ينظر لمن يتحدث باللكنة "السلوية" على أنه انسان غير متحضر وقروي، وهو ما يجعلها تشعر بالضيق والتكلف في الكلام، وعندما تتكلم يكون كلامها فيه نوع من عدم الوضوح لأنها تركز على صياغة الكلمات أو انتقاء الألفاظ أكثر من تركيزها على الفكرة نفسها، وهو ما يجعلها لا تتحدث بحريها ولا تشعر بالارتياح، وفي نفس الوقت ربما ينظر لها البعض نظرة احتقار ودونية ما يجبرها على التحدث بطريقة راقية ومتحضرة.
مدعاة للفخر
وخالفها الرأي الصحفي محمد الجمل، اذ اعتبر محاولة الشخص التنصل من بيئته التي خرج منها وتغيير لكنته الأصلية، يدل على أنه مهزوم الشخصية غير واثق بنفسه، فإذا ما أراد الظهور بمظهر التحضر والتقدم عليه أن يحصل على المزيد من الشهادات ويقدم للناس ما ينفعهم من علوم، حينها سيحترمه الجميع ويحترمون البيئة والمنطقة التي خرج منها.
وأكد الجمل لـ"الاستقلال"، أن الاحتفاظ باللهجة واللكنة يعطي الشخص هوية مميزة تُمكن الناس التعرف عليه ومن أي مكان أتى، وأن وهذا مدعاة فخر، مشيراً إلى أنه شخصياً من مخيم رفح ولم يغير لكنته في يوم بل حافظ عليها واعتز بها.
وأوضح الجمل، أن فلسطين بشكل عام ونظراً لصغر مساحتها الجغرافية لا يوجد بها فوارق كبيرة في اللكنة أو اللهجة، رغم ذلك من السهل تمييز أهل الضفة عن غزة من خلال بعض الكلمات والمصطلحات، لكن هناك لهجات ولكنات مستوردة، مثل تبديل حرف القاف ب الألف "قالوا ..آلوا"، وهي لكنة لبنانية وسورية وافدة إلى فلسطين من أجل إظهار المتحدث بها بمظهر متحضر.
ونوه إلى أن اللكنات الوافدة في بعض الأحيان تكون محط استهزاء من قبل من يسمعها، خاصة اذا كان المستمعون يعرفون البيئة الأصلية للشخص المتحدث وأنه لا يتحدث بهذه اللكنات المصطنعة.
الفراغ النفسي
ومن جانبه، بين اياد الشوربجي المختص الاجتماعي، أن تعدد اللكنات في المجتمعات العربية جاء نتيجة اختلاف البقعة الجغرافية للمواطنين وفق أماكن توافدهم وتواجدهم، حيث أن لكل مجموعة من الناس أو منطقة سكنية لكنات تميزها عن غيرها، موضحاً أن توافد اللاجئين إلى قطاع غزة من كافة القرى والمدن الفلسطينية ساهم بشكل كبير في اختلاف اللكنات الفلسطينية وتنوعها.
وأكد الشوربجي لـ"الاستقلال"، أن توجه الشباب للحديث بلكنات مخالفة للأصلية يكون لسببين، أما للهروب من سخرية واستهزاء من حوالهم، أو للظهور بمظهر راقٍ اقتداءً بالمسلسلات الأجنبية التي يتم دبلجتها بالعربية، حيث يحاول الكثير منهم استخدامها أثناء حديثه أو على الأقل في بعض الكلمات.
وأرجع ذلك التوجه الى الفراغ النفسي والشعور بالنقص الذي يحاول الشباب من كلا الجنسين، إكماله من خلال التحدث بلكنات مختلفة ليظهروا على أنهم من طبقات اجتماعية راقية، وإيجاد فرص للتآلف والتلاقي مع الاخرين بشكل أفضل.
وشدد على ضرورة تمسك الانسان بلكنته الأصلية والاعتزاز بها كونها جزءاً لا يتجزأ من التراث الفلسطيني، اضافةً إلى أنها تعطي صاحبها بصمة مميزة في كافة أماكن تواجده، لافتاً الى أن كافة اللهجات واللكنات تحقق الغرض ولا تعيب المتحدثين مهما كانت مختلفة.


التعليقات : 0