غزة/ آية اسليم- قمر ضهير:
منازل من الحجارة القديمة والصفيح والقماش، تغيب فيها مظاهر الحياة الطبيعية لتحل محلها مظاهر الفقر والبؤس، يحيطها مكب للنفايات من ناحية ومن الناحية الأخرى مقبرة للأموات، يعتمد قاطنوها على الحطب في الطهي والتدفئة مع انعدام غاز الطهي والكهرباء، ليس هذا فحسب بل تزداد معاناة سكانها في فصل الشتاء حيث تتدفق المياه إلى داخل منازلهم المهترئة فتغرقها، وتنبعث الروائح الكريهة وتنتشر الحشرات الضارة والقوارض والكلاب الضالة لتجعل المكان غير صالح للحياة الأدمية. 100 عائلة فقيرة، تتكون من أطفال ونساء وشيوخ يُحاربون بأجسادٍ أنهكها الفقر، برودة قارسة تتسلل من كُل مكان إلى داخل كل منزل، فلا يملك ربُ الأسرة الا أن يُشعل ناراً لتدفئة أطفاله، في اكثر المشاهد حضورا في مخيم «نهر البارد» في منطقة السمين غرب خانيونس الذي يفتقد أبسط مقومات الحياة.
«نهر البارد» هكذا يُطلق عليه سكانه نظرا لبرودته الشديدة، وهو حي عشوائي يقع في المنطقة الغربية لمدينة خانيونس، كما انه يقع أسفل مكب للنفايات وتجاوره مقبرة، واضافة لاعتباره موطنا للبؤس والفقر والتشرد والمرض، وهو الحي الأفقر في القطاع، لما يشهده من فقدان الاحتياجات الإنسانية الأساسية والبنية التحتية، والتي أثرت سلبا على حياة المواطنين وأدت إلى انتشار الأمراض، لا سيما مع تدني درجات الحرارة وعدم توفر مقومات الغذاء والتدفئة.
وضع مأساوي
عمار الدوش (43 عاما)، أحد قاطني المنطقة البائسة، وهو أب لسبعة أبناء يقول: "الأوضاع الاقتصادية الصعبة أجبرتني على السكن في هذه المنطقة، لأنني لم أتمكن من سداد أجرة المنزل الذي كنت أقطنه في رفح".
وأضاف الدوش لـ"الاستقلال"، " أعيش في غرفة من الزينكو لا تصلح للحياة الآدمية، وقبل أيام هاجمت الكلاب أبنتي الرضيعة ليلاً، وكل يوم أنقل أحد أبنائي إلى المستشفى للعلاج بعد إصابتهم بأمراض مزمنة بسبب رائحة القمامة وبرودة الجو"
وتابع الدوش، الذي يعمل خياطاً وأصبح عاطلا عن العمل بسبب الحصار وما نجم عنه من ركود اقتصادي: "في الشتاء تغمر مياه الأمطار الغرفة، فاضطر إلى إرسال زوجتي وأولادي إلى منزل عائلتها في رفح إلى حين يتوقف سقوط المطر".
وأشار إلى أن سبب تسمية المنطقة بـ"نهر البارد" تعود إلى شدة البرودة خلال فصل الشتاء، إضافة إلى لفت الأنظار إلى معاناة سكانها التي تتشابه مع معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيم الذي يحمل نفس الاسم في لبنان.
موت ببطء
ويلتقط الحديث جاره سالم أبو شلوف (60 عاما)، وبرفقة أسرته المكونة من 3 أفراد، يعيشون داخل منزل بدائي وبسيط تغطيه ألواح من "الأسبست" في غياب للبنية تحتية، قائلاً: "في كل شتاء نصبح وكأننا في العراء تحت الأمطار وفي مهب الرياح نظرا لعدم صلاحية المنزل للعيش في ذلك الحي المنكوب".
ما يُخيف المواطن أبو شلوف ويشغل باله هو الأطفال وكثرة مرضهم نظرا لخطورة الحياة المُهددة باستمرار.
وأضاف: "طول الشتاء نجمع بعضنا في مكان واحد لنحمي أطفالنا من البرد، خشية عليهم من انهيار الأسقف والجدران الله وحده من يسترنا ويحمي أطفالنا"، مشيراً إلى أن حماية الأطفال بأجسادهم هي الطريقة الوحيدة أمامهم لإبقائهم آمنين.
ووصف أبو شلوف حياة العائلات في "نهر البارد" بالكارثية والخطيرة، مشيرا الى أنهم يعيشون تلك الظروف منذ قرابة 10 أعوام، دون أن يلتفت اليهم أحد من المسئولين أو اصحاب الضمائر الحية والقلوب الرحيمة.
ويشكو أهالي المخيم من عدم زيارة المسئولين لهم وعدم الالتفات لمشاكلهم التي تواجههم لا سيما في فصل الشتاء لوجودهم على أرض حكومية، مما يحرمهم الكثير من الخدمات ويجعلهم عرضة للأمراض والتلوث البيئي.


التعليقات : 0