بعد تأخرها لـ5 أشهر

عمال النظافة.. حياة تلوثها انعدام الرواتب!

عمال النظافة.. حياة تلوثها انعدام الرواتب!
محليات

غزة/ دعاء الحطاب

«منزل مُظلم لا تتجاوز مساحته الـ50 متراً، سقفه مغطى بلوحٍ من « الزينقو»، وجدرانه متهالكة بفعل الرطوبة، نوافذه مكسوة بالنايلون رخيص الثمن بدلاً من الزجاج، بردٌ يقرص أجسادهم المنهكة جوعاً وألماً وحرماناً»، مشهدٌ لا يعكس إلا جزءاً بسيطاً من حياة البؤس التي تعيشها عاملة النظافة بمستشفى الشفاء إنعام الطويل برفقة زوجها المريض وأبنائها السبعة، في ظل تأخر راتبها المتدني للشهر الخامس على التوالي بالتزامن مع الازمات الاقتصادية والمعيشية التي تعصف بقطاع غزة يوماً بعد يوم.

 

في أركان البيت المستأجر، الذي تقطنه الطويل وعائلتها، تجلس الأبنة الصُغرى على حصيرٍ مهترئ وبيدها قطعة خبزٍ صغيرة تأكلها بتأنٍ كي لا تنتهي قبل أن تسد جوعها، وفي الزاوية الأخرى يقف الابن الأوسط يتوسل لوالدته أن تشتري له حقيبة جديدة يذهب بها لمدرسته، ولكنها في كل مرة تُسجل قائمة الطلبات وتضعها على الرف، منتظرة أن يأتي يوم استلام الراتب لعلها  تستطيع شراء بعض ما يتمناه أطفالها.

 

الطويل واحدة من مئات المواطنين الذين أجبرتهم ظروف الحياة القاسية على امتهان عمل النظافة في المستشفيات والمرافق الصحية في القطاع، فجمع النفايات الطبية والقاذورات من الأقسام وغرف المرضى، يعتبر مصدر رزقهم الوحيد للعيش في حياة كريمة بظل عدم توفر فرص عمل وارتفاع البطالة بالقطاع الى أكثر من 50%.

 

"عشان نعيش"

 

" ايش رماك على المر قلت اللي أمر منه"، هكذا بدأت الطويل حديثها لـ"الاستقلال"، معبرةً عن استيائها الشديد من الحالة المأساوية التي وصلت إليها إثر عدم تقاضيها راتبها الشهري لعدة شهور.  وتقول والدموع تملأ عينيها:" ما بكون مبسوطة لما بطلع من بيتي على الفجر أجمع النفايات وأمسح وأنظف غرف المستشفى، لكن مجبرة على هذا العمل لكي اعيش أنا وعائلتي في الوقت الذي لا يوجد فيه مصدر رزق ثاني نعتاش منه".

 

وتتابع بألم يعتصر قلبها: "حياتنا كلها مأساة وعذاب، الله يعلم كيف عايشين، ساكنين بغرفة وصالة بالإيجار لا يصلحو للعيش الأدمي، وزوجي مريض لا يستطيع العمل وأولادي صغار كل يوم بتزيد طلباتهم وأنا مش قادرة أوفرها حتى المصروف المدرسي بالكاد بوفره الهم خاصة بعد أزمة الرواتب".

 

وأضافت: "خمس شهور ما أخذنا رواتبنا، وعملنا إضرابات وناشدنا كتير لكن ما حد شاعر فينا، نحن مهددين بالطرد من بيوت الايجار، الباعة وأصحاب البقالات يطالبونا بسداد الديون وأغلقوا  باب الدين بوجهنا، وأطفالنا بيروحوا على المدارس بدموعهم مش قادرين نعطيهم مصروفهم، واحنا صرنا نروح مشي على المستشفى لانه ما معنا مواصلات"، متسائلة: «ما الذنب الذي اقترفناه حتى نوصل لهذه الحالة؟».

 

700شيكل فقط هو راتب عمال النظافة في مستشفيات غزة، الأجر الذي يُشكل نصف الحد الأدنى للأجور المعمول به في القانون الفلسطيني، وهو بالطبع لم يمكن هؤلاء العمال من تأمين نفقات حياتهم اليومية ومستلزماتهم مع ارتفاع أسعار السلع، مما أجبرهم على الاقتراض والوقوع في مستنقع الديون الذي يتسع شهراً بعد شهر.

 

أجور بالقطارة

 

ومع بزوغ الفجر ودوران عقارب الساعة إلى الخامسة ونصف, يخرج  نبيل أبو عقلين إلى عمله في التنظيف بمستشفى الرنتيسي للأطفال شمال القطاع سيراً على الأقدام, بهموم أثقلت كاهله ورسمت جروحاً على كفيه وقدميه, دون أن يحصل على الحد الأدنى من الأجر الذي يمكنه من إعالة أبنائه الثمانية وزوجته، منذ خمسة شهور.   وقال أبو عقلين بغضب خلال حديثة لـ"الاستقلال": " نخرج للعمل ونتحمل شحّ الراتب من أجل لقمة عيش أطفالنا، وحين لا نجد هذه اللقمة فلماذا أتركهم وأخرج؟ "، موضحاً أن عمال النظافة كانوا يطالبون  بتحسين رواتبهم التي لا تكفي لسد رمق أطفالهم، والان يطالبون بعودتها وعدم توقفها لأنها مصدر الدخل الوحيد لعدد كبير منهم رغم أنها "لا تغني ولا تسمن من جوع".

 

وأضاف: " بعطونا الأجور بالقطارة كل فترة مرة وأحياناً تتأخر لأشهر، مما يجبرنا على الذهاب الى العمل سيراً على الأقدام كي نوفر تكاليف المواصلات لشراء الطعام لأبنائنا، وفي بعض الأحيان نبات في المستشفى لأسبوع أو أكثر ليس حباً وانما هرباً من أصحاب الديون وطلبات العائلة".

 

وأوضح أن الكثيرين من زملائه العاملين وصل بهم الحال إلى بيع اثاث منازلهم في سبيل توفير الطعام وستر أطفالهم في بيوت للايجار في ظل التهديدات المستمرة لهم بالطرد، وملاحقات الباعة وأصحاب الديون لهم لسداد ديونهم المتراكمة منذ خمسة أشهر.

 

ولفت إلى أنه بات يشعر بالإحباط واليأس الشديدين في ظل غياب بصيص الأمل في حل أزمتهم المالية من قبل وزارتي المالية والصحة في القطاع، مناشداً المسؤولين في غزة ورام الله النظر الى عمال النظافة بعين الشفقة والرحمة، والعمل بشكل جدي على إنهاء معاناتهم وتحقيق مطالبهم للاستمرار في عملهم الانساني، بعيداً عن المناكفات السياسية التي عصفت بكل كبيرة وصغيرة في القطاع.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق