موائد فارغة

غداء يوم الجمعة.. طقوس يلتهمها الفقر في غزة

غداء يوم الجمعة.. طقوس يلتهمها الفقر في غزة
محليات

غزة /أحلام الفالح:

على غير عادتها قررت المواطنة أم محمود (37 عاما) أن يكون طعام الغذاء المخصص لأفراد أسرتها يوم الجمعة، معلبات السردين التي تحصل عليها من المساعدات الغذائية التي تصلها، والتي لم تكلفها عناء إعداد وجبة طعام كبيرة وشهية اعتادت على تقديمها كل يوم جمعة لأسرتها، قبل أن يترك زوجها عمله ويصبح عاطلاً عن العمل.

 

ويمثل يوم الجمعة بالنسبة للفلسطينيين يوماً خاصاً من أيام الأسبوع، ليس لكونه اليوم الأهم من الناحية الدينية ويحمل قدسية خاصة، بل لأنه يوم للعائلة إذ تتجلى فيه طقوس اجتماعية خاصة تحرص العائلات على إقامتها، ولعل أبرزها الاجتماع على مائدة الغداء وتناول الوجبات الدسمة والمأكولات الشعبية الشهية، الا أنه في قطاع غزة المحاصر أصبح مغايراً وكسر العديد من التقاليد الشعبية واصبح كسائر الأيام للكثير من العائلات، التي أصبحت تكتفي بإعداد وجبات خفيفة إن وجدت، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة ذات اليد.

 

نكهة خاصة

 

وتقول أم محمود لـ "الاستقلال": "يوم الجمعة له نكهة خاصة تميزه عن باقي الأيام، لما يرتبط به من طقوس وعادات فلسطينية أصيلة، أهمها اجتماع العائلة على سفرة الغداء بعد صلاة الجمعة مباشرة، والتي تكون عامرة بما لذ وطاب من الطعام والشراب، ولكن في ظل الوضع الاقتصادي الصعب وعدم وجود مصدر رزق للعائلة خاصة بعد فشل زوجها في الحصول على عمل، أصبح يوم الجمعة كسائر الأيام نستقبله بموائد طعام فارغة الا من الزعتر وزيت الزيتون والوجبات الخفيفة".

 

وتضيف "أبنائي اعتادوا يوم الجمعة على طلب أصناف معينة من الأكلات كالمفتول والدجاج المشوي والأسماك بأنواعها، والتي لا يمكن اعدادها في بقية أيام الاسبوع نظرا لما يتطلبه ذلك من مجهود ووقت وإمكانيات مادية، لذا كنت أكتفي بإعدادها في يوم واحد في الأسبوع، ولكن حتى هذا اليوم لا استطيع فيه الآن تلبية طلبات أبنائي الخمسة من المأكولات الشهية التي يرغبون بها".

 

وتوضح أن أكثر ما يميز يوم الجمعة في الشارع الذي تقطن فيه هو رائحة الطعام، التي تنتشر حال عودة الرجال من صلاة الجمعة، والتي تتشابه  فيها مواعيد طبخ وتناول الطعام في ذات الوقت لدى عدد كبير من الأسر.

 

عادات تتلاشى

 

ولم تكن إم شاكر (55 عاما) بحالة أفضل من سابقتها، فهي الأخرى لم تعد تنعم بطقوس يوم الجمعة، وهو يوم اعتادت فيه على "لمة العيلة" قبل أن يتحول بالنسبة لأفراد عائلتها كسائر الأيام، لعدم مقدرتها على جمع كافة أبنائها المتزوجين واحفادها على سفرة غداء واحدة يوم الجمعة".

 

وتقول أم شاكر لـ "الاستقلال": "بعد تقليص رواتب موظفي السلطة وخصم 30% من راتب زوجي الذي بالكاد يكفي لاحتياجات الأسرة وسداد الديون المتراكمة علينا، لم يعد يوم الجمعة يوماً مخصصاً للاجتماع مع العائلة على طاولة واحدة وقت الغداء كالسابق"، مشيرة إلى أنها لديها 8 أبناء وبنات متزوجين، و 18 حفيداً كانت تجمعهم كل يوم جمعة في بيتها لتناول وجبة الغداء".

 

وتضيف "ابنائي كانوا يجدون في هذا اليوم فرصة للاجتماع مع العائلة وطلب ما يرغبون به من الأكلات وخاصة خبز الصاج والمسخن والفتة وهي من الأكلات المفضلة لديهم والتي اعتادوا سابقاً على تناولها كل يوم جمعة، ولكن الأن لا يوجد إمكانية لعملها وسط الضائقة المادية التي نمر بها كغيرنا من العائلات في قطاع غزة المحاصر منذ اكثر من 10 سنوات وتقليص الرواتب وقلة فرص العمل وزيادة أعداد العاطلين عن العمل ".

 

وتتابع " عندما يجتمع ابنائي وبناتي مع أولادهم أشعر بالإحراج لعدم مقدرتي على توفير ما يطلبه الأطفال من لحوم وأكلات دسمة لعددهم الكبير، وهو ما جعلهم يجتمعون وسط الأسبوع كل فترة وأخرى لعدم إحراجي انا ووالدهم "، منوهة إلى أنها قررت استبدال الوجبة الدسمة التي كانت تعدها يوم الجمعة وتكتفي مع زوجها بإعداد وجبة خفيفة لتستطيع ان توفر لأبنائها المتزوجين وسائل الضيافة عندما يأتون في وسط الأسبوع".

 

التأقلم مع الواقع

 

بدوره أوضح الأخصائي النفسي والاجتماعي زهير ملاخة، أن المجتمع الفلسطيني يتميز بطقوس عائلية جميلة خاصة يوم الجمعة، حيث يستعد  الرجال لتأدية  صلاة الجمعة في المسجد وتبدأ النساء بالتحضير لأشهى المأكولات التي يشتهيها الكبير والصغير دون الاهتمام بتكلفتها، لكن مع ضيق الحال وسوء الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها قطاع غزة المحاصر بدأت تتلاشى هذه العادة عند الكثير من العائلات الغزية.

 

وأكد ملاخة لـ "الاستقلال"، أن اجتماع العائلة على غداء يوم الجمعة يعتبر من أشكال التكاتف والمحبة، ويضفي معاني الحب والاخاء ويعزز من الروابط الأسرية، ومن الأشكال التفاعلية التي تديم الحس العائلي الحاضر بالنصيحة والتوجيه والمساندة والمحبة، وعدم الشعور بالغربة والفتور ومشاعر الضيق والحزن.

 

وأوضح أن العائلة أحوج من أي وقت أن تساند بعضها البعض، وأن يكون الأبن مساعداً لأبيه لا يزيد من ثقل الحياة عليه، أما التذمر وحالة اليأس التي يعيشها بعض الأبناء فيجب أن نتغلب عليها، ونشحن أنفسنا بمزيد من الصلابة والتحمل، وضرورة إيجاد البدائل حتى لو كانت بسيطة.

 

 وقال: "إن علينا أن نتعايش ونتأقلم مع الظروف ونحمد الله على نعمه، مع العمل على بناء أنفسنا قيمياً وتربوياً ودينياً، دون أن يسيطر علينا التفكير السلبي، أو ننقاد مع الأخرين لنجد أنفسنا ممزقين اجتماعياً وأسرياً ونفسياً ونلقي بأنفسنا إلى الهلاك".

 

وأضاف أن علينا مواجهة هذه الظروف بمزيد من اللحمة والتعاضد والتكاثف الأسري والمجتمعي، وتكون إرادتنا حاضرة دون انهزام، حتى يغير الله الحال ونحافظ على حياتنا ومستقبل أجيالنا وننعم بالخير القليل مادياً الكبير بأثره.

التعليقات : 0

إضافة تعليق