الصياد أبو ريالة.. عندما يلون الدم لقمة العيش!

الصياد أبو ريالة.. عندما يلون الدم لقمة العيش!
محليات

غزة/ دعاء الحطاب

حينما غمره الحنين لأمواج البحر بعد فراق دام أكثر من اسبوع، خرج الصياد اسماعيل أبو رياله (18عاما) يدافع الأمواج بحثاً عن لقمة عيش يسد بها رمق عائلته الفقيرة، في ظل قسوة الحياة التي يعيشها وأمثاله من أبناء قطاع غزة المحاصرة، واعداً والدته بصيد وفير، دون أن يعلم أنه على موعد مع الشهادة في عرض البحر بنيران بحرية الاحتلال التي تتربص بصيادي غزة على مدار الساعة.

 

واستشهد الصياد «اسماعيل» من مدينة غزة، ظهر يوم الأحد الماضي برصاص نيران الزوارق الحربية الإسرائيلية في عرض بحر شمال غزة، فيما أصيب الصيادان محمود عادل أبو ريالة (18 عاماً)، وعاهد حسن أبو علي (26 عاماً).

 

موعد مع الشهادة

انقضى النهار سريعاً وحل المساء دون أن يحظى إسماعيل على كمٍ وفير من الأسماك كما وعد أمه، فرفض الاستجابة لمطالب رفاقه بالعودة إلى المنزل قائلا: "سلمولي على إمي واحكولها تبعتلي خبز"، ثم باشر الأصدقاء عملهم بسعادةٍ غامرة وعقارب الساعة تجري حتى انهكهم التعب وغلب عليهم النوم، حتى استيقظوا على صوت "طراد" تابع لجيش الاحتلال الاسرائيلي مر قربهم ولم يوجه لهم أي كلمة قبل أن يغادر، ثم عاد مصطحباً "طراديْن" آخرين، إلى المكان ذاته والذي يبعد نحو ثلاثة أميال فقط عن شاطئ بحر غزة.

 

وبغتةً، فتحت الطرادات النار صوب القارب، انهمرت عليه انهماراً كما المطر، فما كان منهم إلا أن يسحبوا شباكهم للعودة باتجاه الشاطئ، وفي تلك اللحظة رأى اسماعيل ضوء "الليزر" القناص موجهاً صوب صديقه محمود، فردد كالشريط "ابعد ابعد ابعد" دافعاً اياه أرضاً لينقذ حياته، وتخترق الرصاصات رأسه وتلون البحر بدمائه.

 

ومع سقوط اسماعيل شهيداً، سكن كل شيء للحظات في مشهدٍ يدمي القلوب، حتى أفاقت الأعيرة النارية التي انهمرت كالمطر من جديد، رفيقه محمود أبو ريالة وعاهد حسن من هول الصدمة، لتخترق جسدهما وتجعلهما عاجزين عن الحركة، ولم يكتف جنود الاحتلال بجريمتهم لهذا الحد فقد قاموا باعتقالهم جميعاً وتوجهوا بهم إلى المشافي الإسرائيلية ليتم معالجتهم.

 

وبعد ساعات تمكّن صيادون آخرون من سحب المركب لكنّهم لم يجدوا عليه أحدا، في وقتٍ امتلئ سطح المركب بآثار الدماء والطلقات النارية التي أصابته بشكل مباشر.

 

صدمة الاستشهاد

 

وفي منزل عائلة الشهيد في مخيم الشاطئ للاجئين غرب غزة، خيم الحزن والصدمة  على وجوه أقاربه خاصة أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من استعادة جثمانه وإلقاء نظرة الوداع عليه ومن ثم دفنه.

 

بغصة ألم تحرق روحه، يروي أبو محمد والد الشهيد صدمة تلقيهم خبر الاستشهاد قائلا:" يوم الأحد كنا نتناول الغداء أجاني اتصال من أحد الصيادين قالي " ألحق القارب اللي فيه اسماعيل كله دم" ما قدرت  أرد عليه، طلعت بسرعة على البحر لاقيت القارب غرقان دم صرنا ندور على اسماعيل واصحابه ولم نجدهم".

 

قلب الأب الذي انفطر حزناً على ابنه لم يستطع الوقوف جانباً حينما رأى الدماء تغرق القارب، فأخذ يتصل بكافة صيادي المنطقة لعله يعلم ماذا جرى لكن دون فائدة، جلس بزاوية القارب يُحدق بآثار الدماء والدموع تنهمر من عينيه ولسانه حاله يردد " يا رب سترك ، يا رب طمني عليهم".

 

ويتابع والد الشهيد حديثه لـ"الاستقلال": " أتصلت بكل الصيادين لكن بدون فايدة فأجوبتهم كانت " ما شفناهم أو تركناهم نائمين"، بقيت قلقان وخائف بس بدي خبر يريحني ويطمني عنهم".

 

وأضاف والحزن يرتسم على ملامح وجهه:" بعد العشاء جاءنا اتصال من  الارتباط الفلسطيني يخبرنا باستشهاد اسماعيل واصابة صيادين كانوا برفقته، شعرت الدنيا ضاقت كتير عليا سألتهم عن جثمانه قالوا " الاحتلال أفرج عن المصابين واحتجز جثمانه"، فكان خبراً كالصاعقة على قلوبنا جميعاً".

 

ويمارس الشهيد إسماعيل مهنة الصيد منذ سبعة أعوام، وهي ذات المهنة التي يعمل بها والده منذ نحو 35 عاما، لا ينغص عليهما سوى ممارسات جيش الاحتلال الذي يشدد حصاره لقطاع غزة برا، وبحرا، وجوا.

 

ويقول بصوتٍ خافت:" اسماعيل من عمر 11 سنة بيطلع على  الصيد ليساعدني بمصروف الدار، كان برجع دايماً بكمية أسماك كبيرة لكن اليوم رجعوا الاسماك وهو ما رجع، استشهد عشان يطعمنا".

 

قتل متعمد

 

وأردف الوالد بغضب: "ماذا تتوقع عندما ترى مخه نازلا على الأرض؟ أحد الشابين اللذين كانا معه قال مخه أرجعته بيدي ووضعت يدي على رأسه، شو الذنب اللى ارتكبه اسماعيل عشان يموت بهذه الطريقة الوحشية ويحتجز جثمانه بعيد عن أهله"

 

واعتبر أبو ريالة ، أن قتل نجله اسماعيل لم يكن صدفة إنما كان جريمة قتل متعمدة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تحتاج أي مبرر لارتكاب الجرائم وتسعى دائما إلى سفك دماء أبناء الشعب الفلسطيني بكافة الطرق، موضحاً أن الشهيد ورفاقه كانوا على بعد ميلين ونصف داخل البحر وتعد هذه المنطقة منطقة آمنة كما صنفها الاحتلال.

 

وأكد أبو ريالة، أن مواصلة احتجاز جثمان نجله لليوم الخامس على التوالي، يعني ارتكاب الاحتلال لثلاث جرائم؛ الأولى  القتل بدم بارد، والثانية احتجاز الجثمان، والثالثة محاولة إخفاء أدلة قتله. وناشد أبو ريالة، المنظمات الحقوقية والدولية الضغط على سلطات الاحتلال وإجبارها على تسليم جثمان نجله قبل تحويله إلى "مقابر الأرقام" التي تحتجز فيها جثامين مئات الشهداء الفلسطينيين.

 

وفي مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، حيث يقع منزل الشهيد إسماعيل، يستقبل والده المواطنين لمواساته في مُصابه، وهو لا يزال يذكر فلذة كبده الذي كان يطلب من اخوانه أن يلتقطوا له صوراً باستمرار، مودعاً إخوته الصغار باشتياق قبل توجهه للعمل، كأنما كان يدرك أنه مُعرض للاستشهاد، فشيمة جيش الاحتلال الغدر.

 

جريمة متكاملة

 

ويصف مسؤول اتحاد لجان الصيادين زكريا بكر، في تصريح له، اعتداء الزوارق الاسرائيلية على مركب عائلة أبو ريالة "بالجريمة المتكاملة"، خاصةً وأن الزوارق صوّرت المركب عدة مرات قبل الاعتداء عليه.

 

ويقول بكر إن: "الجريمة التي ارتكبتها بحرية الاحتلال بحق مركب عائلة أبو ريالة ليست الاولى بل يمارس الاحتلال الإسرائيلي جرائم ممنهجة على مدى 12 عامًا من قتل وتدمير واعتقال"، مطالباً المجتمع الدولي بتوفير حماية للصادين حتى وصولهم لأماكن رزقهم بشكل آمن، ووقف الاعتداءات بحقهم، داعياً السلطة الفلسطينية للتحرك أمام المحاكم الدولية لمحاكمة قادة الاحتلال على جرائمهم. ومنذ بداية عام 2018 استشهد الصيادان وأصيب 10 آخرون، واعتلقت البحرية الإسرائيلية 14 صيادًا وصادرت 6 قوارب، ودمرّت 6 قوارب أخرى، بحسب اتحاد لجان الصيادين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق