دلال أم مرض؟!

شقــاوة الأطفــال.. عندما يفقد الآباء السيطرة!

شقــاوة الأطفــال.. عندما يفقد الآباء السيطرة!
محليات

غزة/ دعاء الحطاب

"حركة زائدة وشقاوة مفرطة وتخريبٌ مستمر ورفضٌ للهدوء"، شبح يلاحق الامهات عند بلوغ أطفالهن السنة الثانية من أعمارهم ويمتد حتى سنوات طويلة يخرج فيها الطفل عن الحد المقبول والطبيعي في حركته، وخلال تلك الفترة  تُصاب الأمهات بخوف وقلق كبير على صحة أطفالهن وأجسادهم الضعيفة من التعرض لأذي قد يصل لكسر أو تشوه يرافقهم مدى الحياة.  وبعد محاولات عدة، تفشل بعض الأمهات في محاربة شقاوة أبنائهن المفرطة ويفقدن سيطرتهن بالتعامل معهم، دون معرفة ما إذا كان الامر طبيعياً نتيجة تدليل الطفل؟ أم أنه يعاني من حالة مرضية تحتاج إلى عناية خاصة؟ فكيف نفرق بين السلوكيات الطبيعية والحالات المرضية المختلفة وخاصة إذا زادت حركة الطفل عن معدلها الطبيعي؟

 

وتبين الإحصائيات العالمية، أن ما يقارب 30% من الأطفال يوصفون من قبل الأهل أو المعلمين بالحركة الزائدة، والحقيقة العلمية أن اضطراب الحركة الزائدة كمرض نفسي لدى الأطفال أقل من ذلك بكثير، فمن الطبيعي بعد سن الثانية من العمر ازدياد حركة الطفل نتيجة لنموه الحركي، والعاطفي والذهني لاكتشاف العالم من حوله فهي حركة هادفة، أما فرط الحركة غير الهادفة فهو حالة مرضية ويعود إلى أسباب بيئية واجتماعية ونفسية، ومن هنا يجب التفريق بين الشقاوة العادية للأطفال وبين اضطراب فرط الحركة لديهم.

 

خوف وقلق

 

المواطنة أم أحمد النباهين، ترى أن طبيعة الأطفال تميل إلى الحركة المفرطة والمشاغبة والتجربة واكتشاف الأشياء، ولكنها في الوقت ذاته لم تتخيل يوما أنها ستعاني من شقاوة طفلها الصغير لهذه الدرجة، موضحة أن طفلها الصغير يتسبب لها بمشكلة كل يوم بسبب شقاوته مع الناس او مع اخواته، واستخدمت كل الأساليب معه لكن دون فائدة لدرجة أنها أصبحت عاجزة عن كيفية التعامل معه.

 

وتقول النباهين لـ "الاستقلال": "بينما كنت أعد وجبة الافطار لأبنائي، سمعت صراخ طفلي ذي الـ5 أعوام يعلو فما كان مني الا أن أسرعت نحوه لأجده مستلقياً على الأرض يتلوى من شده الألم بعدما قفز عن نافذة الغرفة في محاولة منه تقليد  أحد أبطال الكارتون، لكني لم أتفاجأ من فعلته  فقد اعتدت على تصرفاته الطائشة والشقية التي تلحق به وبمن حوله الأذى دائماً حتى فقدت السيطرة عليه تماماً».

 

النباهين أم لثلاثة أطفال، اتبعت مع ابنيها الكبيرين أسلوب التربية الشديدة إلى حدٍ ما منذ بداية إدراكهما للأمور واستيعابها للصواب والخطأ، وكانا هادئين يسمعان الكلام والنصائح بدون عناد، ولم تعانِ ابدا من شقاوتهما، ولكنها لم تطبق الأسلوب نفسه مع ثالث أبنائها حيث تعاطفت معه ولم تتمكن من أن تكون "قاسية عليه"، كونه كان مريضاً في أشهره الأولى وعانى من مشاكل صحية، والنتيجة أنه قد جاوز الخمس سنوات دون أن تسيطر على تربيته بالشكل المطلوب، حسب قولها.

 

وتابعت: "طول الوقت بكون حاطة ايدي على قلبي من الخوف والقلق على ابني بانه يؤذي نفسه بتصرفاته الشقية أو يضر غيره، فهو دائما يتصرف بغرابة ويؤذي نفسه دون أن يشعر بالندم"، مشيرةً إلى أنها باتت تخشى أن تكون شقاوته مرضاً وليس دلالا زائداً كما تعتقد.

 

دلال وإهمال

 

في حين، أصيبت المواطنة أم يزن أبو ثريا بحالة استياء شديد  من شقاوة طفليها اللذين يحولان كل مكان يتواجدان به الى خرابة أو ساحة للفوضى، إذ يرتكبا العديد من التجاوزات التي تغضبها بشدة وتدفعها لاستخدام "العصا" بعد فشل كافة الاساليب اللطيفة  في تهدئتهما.

 

وتقول أبو ثريا:" أولادي أشقياء ومشاغبين جداً ما بتركوا شيء مكانه، طول الوقت بقضيه أسكت اقعد اهدي وبدون فايدة، يجبروني لضربهم على أمل انهم يسكتوا بعد دقائق يرجعوا لشقاوتهم اكثر من الأول، ما بعرف اذا كانت شقاوتهم الزائدة طبيعية كباقي الأطفال أم لا"

 

وأرجعت سبب شقاوة طفليها المفرطة  لدلالهما الزائد من قبل أفراد العائلة كونهما أكبر حفيدين، ففي كل مرة تحاول تأديبهما وتهدئتهما يأتي أحد من العيلة ويأخذهما مما يزيد عنادهما ويشجعهما على تصرفاتهما  الشقية أكثر، معربة عن استيائها من مدى الاحراج الذي يسببانه لها في كثير من الأوقات خاصة عند زيارتها بيت أهلها رغم توصياتها وتحذيراتها الشديدة قبل الخروج من المنزل.

 

وتعتقد أبو ثريا، بناء على تجربتها، أن شقاوة الأطفال ليس شرطاً أن تكون دلالا أو مرضاً، وإنما قد تكون نتيجة اهمال الوالدين والعائلة لوجودهم وعدم تذكرهم الا في أوقات الطعام والنوم، لذا يلجأ الاطفال للشقاوة والحركة الزائدة ليلفتوا الانظار نحوهم ويعبروا عن وجودهم خاصة في المناسبات والتجمعات العائلية.

 

التوازن الحركي

 

وبدوره، أوضح درداح الشاعر المختص النفسي والاجتماعي، أن شقاوة الأطفال أو ما يسمى بفرط الحركة تصنف لنوعين، أولهما الحركة الرشيقة غير الطائشة وعادة تعبر عن النمو المعرفي والعقلي لدى الطفل وسلامة جهازه العصبي والعقلي، أما ثانيهما يتمثل في الحركة غير المتوازنة للطفل والتي تعد بداية لشكل من أشكال التخلف العقلي.

 

وأضاف الشاعر خلال حديثه لـ"الاستقلال": "النشاط أو الحركة الزائدة مرتبطة كلياً بالتوازن الحركي للطفل ووعيه وإدراكه، لذلك لا تعد كل عملية فرط حركة أمراً ضاراً بالطفل أو تعبيراً عن مرض معين يعاني منه، لكن يُحكم عليها حسب نوعية الحركة ويجب التفريق بين ما هو مرضي وما هو طبيعي ".

 

ونوه إلى ضرورة انتباه الأهل إلى حركة أطفالهم، فإذا كانت الحركة متوازنة فيجب تطويرها بشكل منهجي تربوي يستفاد منه في تعزيز القدرات الحركية والميكانيكية لدى الطفل، أما في حال كانت الحركة طائشة وغير متوازنة يجب أن يتم عرض الطفل على أطباء مختصين بالحركة والتخلف العقلي لإدراك الأمر قبل تقدمه.

 

وأكد أن تربية الوالدين تلعب دوراً اساسياً في مدى شقاوة الطفل، فإذا تغافلا عن قيامهما بواجباتهما التربوية سينعكس ذلك سلباً على مستوى الالتزام والانضباط  النفسي والاجتماعي للطفل، مبيناً أن الطفل الشقي اذا لم يُراقب ويحاسب على افعاله من قبل الوالدين سينخرط  بسلوك عدواني يرهق كل من حوله، حيث يتوجه عادةً لتحطيم الأدوات والأشياء مما قد يُلحق به الأذى أو بغيره من الأطفال، والأمر الذي يتسبب بإحراج شديد للوالدين ويدخلهما بمشاكل نفسية كبيرة.

 

حالة مرضية

 

وحسب مختصين، فإن الحالة المرضية لفرط الحركة عند الأطفال، تكون نتيجة نقص نضج المخ أو تلف في احد الناقلات العصبية التي يتكون منها المخ أو وجود انخفاضات طفيفة في مخ الطفل وحجم المخيخ، وهذا يجعل الطفل مشتت الانتباه ويعاني من الاضطراب النفسي والعصبي واضطرابات النمو وضعف التركيز وهذا ينعكس سلبا في قدرته على التحصيل الدراسي.

 

وهناك عوامل نفسية واجتماعية قد يتعرض لها الطفل مثل عدم الاستقرار في الجو العائلي أو ترك الطفل وحده أو ابتعاد احد الوالدين لمدة طويلة نتيجة الخلافات الأسرية أو الانفصال، كما تلعب الوراثة دورا هاما في تلك الحالة حيث ترتفع نسبة الإصابة بين الأطفال من آباء وأمهات كانوا يعانون من الحركة الزائدة في طفولتهم .

 

وترجع الأسباب البيئية لاضطراب فرط الحركة والتي تنتشر في مجتمعاتنا،  للتسمم البطيء بمادة الرصاص ومصدرها الرئيسي مياه الانابيب في المنازل، والدمى المصنعة من البلاستيك المقوى بالرصاص والمنتشر في الأسواق بشكل واسع دون حسيب أو رقيب وهي في متناول أيدي الأطفال وعضها بأفواههم، وكذلك السكن في البيئة التي تتواجد فيها مخلفات الرصاص خاصة مصانع البطاريات والدهان، حيث تتسرب مادة الرصاص بشكل بطئ إلى الدماغ، وبالتالي تؤدي إلى داء اضطراب الحركة الزائدة واضعاف القدرات العقلية والاعصاب.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق