غزة/ دعاء الحطاب:
تمردت النساء الغزيات على الدور النمطي القديم الذي وضعن فيه، وخلعن عن أيديهن قفازات الطبخ وغسل الأواني، وقررن الوقوف إلى جانب أزواجهن، وعدم تركهم وحيدين يواجهون أمواج الضيق وقلة الحال، فقرر بعضهن الخروج من البيوت والتوجه للمزارع والأراضي لمساعدة الزوج والابن والأخ، بينما قررت أخريات التوجه للأسواق والعمل كبائعات، ومنهن من غادرت المنازل للبحر لمساعدة ازواجهن الصيادين، فهن واثقات بأن هذا بات واجباً في هذا الوقت العصيب الذي اشتدت فيه الأزمات وطالت كافة مناحي الحياة في قطاع غزة.
ورغم اختلاف مهنهن، إلا أن جميع النساء يشعرن بالفخر، لما يقدمنه من أجل أزواجهن وأسرهن في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية المأساوية التي تخيم على القطاع بأكمله، فقد أصبحن مزارعات وبائعات صباحاً وربات بيوت مساءً.
يومهن مختلف
فصبيحة يوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من شهر مارس من كل عام، كان من المفترض أن تحتفل المواطنة أم محمد النجار من سكان شرق مدينة خان يونس بيومها كباقي النساء في العالم، لكنها فضلت تحيي هذا اليوم في الحقل برفقة زوجها المزارع، معتبرة يوم المرأة في غزة مختلفاً، عنوانه العمل والكد من أجل الحياة.
وتقول النجار لـ"الاستقلال"، إنها تسمع في كل عام عن شيء اسمه يوم المرأة، لكنها لم تشعر طول حياتها بأنه يوم مختلف، فهو مناسبة ليتغنى العالم بالنساء، دون أن يلتفت أحد لمعاناة المرأة الفلسطينية وما تواجهه من كد وتعب، وقتل واعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وعبرت النجار، عن فخرها بعملها وإن كان بسيطاً، مشيرة إلى أن يوم المرأة العالمي يذكرها بواجباتها تجاه اسرتها، ويعطيها قوة كي تواصل العمل وتتحد مع زوجها وأبنائها لتسير مركب الحياة ويعبروا إلى بر الأمان في ظل الأزمات التي تُثقل كاهلهم يوماً بعد يوم.
يساندن أزواجهن
وفي الركن المخصص لبيع الدواجن المنزلية بسوق غزة الأسبوعي "الجمعة"، افترشت أم علاء الفيومي الأرض، وجلست خلف أقفاصٍ بلاستيكية وخشبية ممتلئة بالطيور، وبجوارها سلال ممتلئة بالبيض، تنتظر توافد المشترين.
الفيومي ينطبق عليها مقولة: " مرأة بمائة رجل"، فهي تجادل الزبائن وتقنعهم بعد ثوانٍ بسيطة بجودة طيورها الدجاج والبط التي ربتها تحت أشجار الزيتون، بعيداً عن الأعلاف المصنعة والهرمونات المسرطنة.
وتوضح الفيومي لـ"الاستقلال"، أنها تعمل في ثلاث مهن يومياً، ففي الصباح الباكر ترافق زوجها إلى الأرض لتساعده في أعمال الزراعة حتى ساعات ما بعد الظهر، ثم تعود للمنزل لترعى طيورها وحيواناتها وتقدم لها الأكل وتنظف الحظائر، قبل أن تبدأ بتنفيذ أعمال المنزل المختلفة واعداد الطعام، حتى تنتهى قبل عودة أبنائها من مدارسهم.
وتقول الفيومي:" بعد اشتداد الاوضاع سوءاً في القطاع وعدم توفر فرص عمل لأبنائي، اضطررت للعمل مع زوجي وتربية الطيور في سبيل زيادة دخل الاسرة وإعانتها على مصاعب الحياة، فليس منطقياً أن أرى زوجي يتعثر وعاجزاً عن تلبية كافة احتياجاتنا اليومية ولا أسانده".
ولا تنكر الفيومي أنها كثيراً ما تُرهق نتيجة العمل طوال اليوم، لكنها سعيدة بحياتها ولا تتذمر، فهي تكد وتثابر من أجل مساعدة أسرتها، وتوفير مبلغ مالي يساهم بشكل كبير في تحسين ظروفهم المعيشية. حسب قولها.
وتتابع "الثامن من آذار كل العالم يحتفل بالمرأة بطريقته الخاصة أما في فلسطين النساء في يومهن يكافحن ويعملن من أجل أسرهن وفلذات أكبادهن الذين يتجرعون المر بسبب البطالة والفقر"، مطالبة العالم في يوم المرأة العالمي بأن يتضامن مع المرأة الفلسطينية وخاصة الأسيرات في سجون الاحتلال الإسرائيلي ومحاولة بذل كافة الجهود من أجل فك قيدهن.
الرزق بالشباك
ومع بزوغ شمس الصباح وزقزقة العصافير، تغادر الخمسينية أم صبري زعرب منزلها بمدينة رفح، وبيدها " الخيطان والابر" لتبدأ رحلتها اليومية في خياطة شباك الصيادين في البحر، ففي تلك الشباك رزقها.
وبعد أن مسحت العرق عن جبينها، قالت زعرب لـ"الاستقلال": " كل عوامل القهر تزداد على المرأة الغزية مع مرور الوقت بسبب الحصار والفقر وضيق الحال، لذا تضطر للعمل بأي شيء من أجل مساعدة زوجها الذي يبدو على وجهه الاحباط واليأس عندما لا يستطيع تلبية احتياجات أبنائه"، مبينةً أنه يقع على عاتق المرأة تحمل هذه الأعباء، كونها مديرة بيتها وعليها على الأقل توفير الطعام.
وأضافت:" زمان كانت حياتنا أفضل من اليوم، كان زوجي بشتغل وبيوفر مصروف البيت، لكن فقد عمله بعد اصابته بالعامود الفقري في الحرب الاخيرة على القطاع، اضافة الى اصابته بمرض السكري والفشل الكلوي، الأمر الذي جعله عاجزاً تماماً عن توفير أدني متطلباتنا اليومية". مشيرة إلى أنها منذ ذلك الحين تعمل في أي عمل يمكنها من توفير قوت أبنائها في ظل الاوضاع الصعبة التي يعيشونها.
وتعتبر زعرب المرأة الفلسطينية في يوم المرأة العالمي نموذجاً مشرفاً للمرأة، فهي صاحبة روح التحدي حيث استطاعت أن تتكيف مع الظروف وتربي الأجيال وتصنع الأبطال وتدفع بأبنائها الى ساحات القتال في سبيل الله من أجل تحرير الوطن.
ووفق معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في تقريره "المرأة والرجل في فلسطين: قضايا وإحصاءات" لعام 2017م، فإن نسبة النساء العاملات في القطاع الحكومي بلغت 27.6% من مجموع النساء العاملات مقابل 71.9% يعملن في القطاع الخاص.
وتشكل النساء العاملات في القطاع الزراعي ما نسبته (19.3%) أي حوالي خمس العاملين في هذا القطاع للعام 2016، وبلغ معدل البطالة بين النساء اللواتي انهين 13 سنة دراسية فأكثر 50.6% من بين النساء المشاركات في القوى العاملة مقارنة بـ 19.1% بين الرجال في نفس الفئة.
وبحسب التقرير، فإن 70.7% من النساء العاملات مستخدمات بأجر، مقابل 69.3% من الرجال، في حين تنخفض نسبة صاحبات الأعمال؛ 2.4% مقارنة بـ 7.2% للرجال.


التعليقات : 0