غزة/ دعاء الحطاب
للمرة الرابعة داخل صالة أبو يوسف النجار بخانيونس جنوب قطاع غزة، ولنفس الغرض، عاد الشاب أحمد أحمد (22 عاما) المصاب بآلام صعبة في طبلة الأذن، لتتصدر مٌعاناته المشهد ويخطف أنظار المسافرين واستعطاف كل من يُحيط به، بعدما ملأ صوت صراخه الأرجاء، جراء اصطدامه بواقع عدم ادراج اسمه في كشوفات المسافرين.
ففي كل اعلان لفتح المعبر يحزم أحمد حقيبته على عجل، ويستقل سيارة أجرة منطلقاً نحو الصالة المعدة للمسافرين عبر معبر رفح، لعله يكون من أوائل المغادرين من القطاع بعدما تعطل علاجه لأكثر من عامين وتضاعفت حالته الصحية سوءاً، وبمجرد وصوله يُزاحم عشرات العالقين المكدسين أمام نافذة الجوازات أملاً في السفر عبر معبر رفح، وما أن يصل موظف التسجيل تكون المفاجأة بأن اسمه غير مدرج ضمن قائمة المسافرين.
في هذه المرة لم تنجح كافة محاولات أحمد بالسفر، كما الحال في كل مرة، فلم يستطع فعل شيء سوى الصراخ على العاملين واطلاق استغاثة لعلها توقظ ضمائر المسؤولين، قائلاً:" ارحمونا يا عالم، احنا بنموت من المرض وما حدا حاسس فينا، بدنا نسافر".
حال "أحمد" كغيره من الاف العالقين الفلسطينيين الذين تقطعت بهم السبل، كل ذنبهم الوحيد أنهم مقيمون في غزة أو قدموا لزيارتها، فبعضهم مرضى باتوا بحاجة ماسة إلى العلاج الذي لا يتوفر في القطاع ويمثل حرمانهم من السفر موتاً محققاً، وأخرون عالقون في الأراضي المصرية في انتظار عودتهم إلى القطاع، وغيرهم مقيمون في الخارج وصلوا إلى غزة لزيارة الأهل، ومئات الطلبة في جامعات الخارج.
وأغلقت السلطات المصرية يوم السبت الماضي، معبر رفح على الحدود المصرية الفلسطينية دون أن يتمكن أي فلسطيني من العبور في يوم عمله الثاني، وأعادت السلطات المصرية عددا من الحافلات وصلت الجانب المصري في ساعات المساء، فيما لم يتضح مصير أكثر 700 فلسطيني باتوا ليومين في الصالة المصرية من المعبر في انتظار سفرهم الى القاهرة.
وفتح معبر رفح يومي الجمعة والسبت، بعد اغلاق استمر نحو شهر إثر عمليات عسكرية واسعة أطلقها الجيش المصري ضد المجموعات المسلحة في سيناء.
معاناة وألم
وقال أحمد بحرقه خلال حديثة لـ"الاستقلال": " منذ عامين أعاني من التهابات شديدة بطبلة الأذن، أجريت 3عمليات بمستشفيات غزة لكن دون جدوى فقد زادت حالتي الصحية سوءاً وبعد معاناة طويلة حصلت على تحويلة طبية لمصر لإجراء عملية، إلا أني لم أتمكن من السفر بسبب اغلاق المعبر المستمر".
ويتابع بحسرة:" في كل فتحة معبر بيكون عندي أمل كبير أني أسافر وأتعالج، لكن للأسف أتفاجأ انه اسمي غير موجود بالكشوفات بالرغم من أني توجهت لمسؤولين في العلاج بالخارج وكانوا يعدونني أن أكون ضمن المسافرين المرة القادمة لكن هذه الوعودات باتت مجرد كلام لا ينفذ"
وتساءل بغضب: " نحن مرضى القطاع ما ذنبنا أن نمنع من العلاج؟ ماذا نفعل فمصر تغلق المعبر، و"إسرائيل" لا تقبل إدخالنا" ؟
البوابة السوداء
وبالقرب من بوابة معبر رفح البري، وقف الطالب أبو نبيل سرور مع عشرات المسافرين المتوجهين إلى الجانب المصري، في انتظار أن يُسمح له بالعبور من بين فكي البوابة السوداء، كي يتمكن من الوصول لجامعته ومكان اقامته في النرويج، التي لا يفصل بينهما إلا بضعة أمتار ومدرعات عسكرية.
ويقول سرور خلال حديثة لـ"الاستقلال": " أنا مقيم في النرويج برفقة العائلة، جئت الى غزة قبل سنة ونصف من أجل زيارة جدي المريض بالسرطان، ومنذ ذلك الوقت وانا محجوز لا استطيع السفر للعودة الى عائلتي وكذلك استكمال دراستي".
وأضاف سرور:" ألام المعبر و متاعبه أصبحت هاجساً يلاحقنا طوال الوقت ويسبب لنا القلق والاضطراب الدائم، كونه فجأة يفتح ويغلق لأسباب أمنية كما يحدث دائماً، أو لا نتمكن من السفر لعدم ادراج أسمائنا ضمن المسافرين أو استبدالنا بأشخاص اخرين".
ولم يخف سرور محاولته دفع مبلغ مالي لأحد العاملين في الجانب المصري لتسهيل سفره، عبر أحد الوسطاء، إلا أن ارتفاع المبلغ المطلوب أجبره على الرفض؛ لعدم توافره.
وناشد السلطات المصرية، فتح المعبر بشكل دائم والوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني في معاناته والسماح لهم بالتحرك عبر معبر رفح، قائلا :" لا ذنب لنا فيما يجري من انقسام واحداث في سيناء لا نريد الا العيش بكرامة ونيل حقنا في السفر".
عائق كبير
وفي زاوية أخرى كان المشهد يبدو أكثر قسوة، فالخمسينية أم محمد نوفل وابنتها كانتا تفترشان الأرض ولحافهما الجلوس بين حقائبهما بعدما أنهكهما التعب وعلت ملامحهما الحيرة تارة والأمل باجتياز بوابة المعبر تارة أخرى، فكل أمنيتهما الالتقاء بذويهما بالأردن والذين لم يتمكنوا من رؤيتهم منذ أربعة أعوام، إلى حين صُدمتا بإغلاق الجانب المصري البوابة والاكتفاء بمن دخل من المسافرين خلالها.
وتقول نوفل لـ"الاستقلال": " كان أملي رؤية اشقائي وعائلتي المقيمين في الأردن ولم أتمكن من زيارتهم منذ سنوات طويلة، وأيضاً ابنتي مخطوبة من أربعة اعوام ولم تتمكن إلى الآن من السفر لإتمام زواجها، رغم أن أسماءنا مدرجة ضمن قائمة المسافرين لكن لم يحالفنا الحظ بعد".
وأشارت نوفل، إلى أن سفرهما كان مقررًا قبل عام ونصف، لكنهما لم تتمكنا آنذاك من المغادرة نظراً لإغلاق المعبر، لتتاح لهما هذه المرة فرصة بموعد جديد صادف يوم السبت الماضي، في الحافلة رقم 4، ولكن سرعان ما أغلق المعبر أبوابه.
وأضافت نوفل بغصة: "في كل مرة نسمع بها أن المعبر سيفتح، نسارع لنرتب أوراقنا وتحضير الحقائب ونبلغ أهلنا ينتظروننا على المعبر لاستقبالنا، وفي اللحظة الاخيرة نصدم بعدم استطاعتنا الخروج والسفر".
ونوهت إلى أن المعبر يمثل عائقاً كبير أمامها، ففي السابق توفيت والدتها دون أن تتمكن من رؤيتها أثناء صراعها مع المرض رغم محاولات استمرت لأكثر من 6شهور، والآن ابنتها مهددةً بالطلاق ولا تستطيع أن تسافر لخطيبها.
واعتبرت نوفل، معبر رفح بالنسبة للغزيين بوابة حياة لأنهم أصبحوا في غزة شبة أموات، الجميع يعاقبهم و يدمر حياتهم دون أن يعلموا ما الخطأ الذي اقترفوه غير أنهم يعيشون في غزة.


التعليقات : 0