لضعف القدرة الشرائية

المشاريع الصغيرة في غزة.. تُقتل في مهدها!

المشاريع الصغيرة في غزة.. تُقتل في مهدها!
محليات

الاستقلال / جيهان كوارع

إنه العام الأول من عمر حلمه الذي انتهى قبل أن يبدأ، كان يظن أن هذا اليوم سيأتي وجيوبه ممتلئة بعائد عمله وأن حماسه قد زاد ليتوسع مشروعه ويصبح أكثر شهرة في منطقته إلا أن الظروف قد خاصمت كل امنياته ووضعته في مأزق، ليحتفل بالعام الاول وسط رفوف حديدية خاوية لا يسكنها سوى الغبار وبعض البضائع القليلة التي تنتظر دورها لتغادر في يد أحد الزبائن دون ان يترك خلفه ولو جزءاً يسيراً من ثمنها، بعد أن كانت  تلك الرفوف عامرة بأصناف مواد التنظيف من كل الألوان والأشكال.

 

ويلجأ العديد من المواطنين في غزة، وخاصة فئة الشباب والخريجين، إلى إقامة مشاريع صغيرة تمكنهم من العيش بكرامة في ظل انعدام فرص العمل وزيادة اعداد البطالة، ولكن الوضع الاقتصادي الصعب وضعف القدرة الشرائية للمواطنين الذين يعتمدون على دفاتر الدين في سد كافة احتياجاتهم من مأكل ومشرب وملبس، قتل العديد من المشاريع الصغيرة في مهدها وبدد حلم نجاحها، بل وحول بعضها إلى عبء جديد على كاهل أصحابها لما تكبدوه من خسائر وديون، لعدم التزام المواطنين بتسديد ما عليهم من ثمن البضائع. 

 

دون جدوى

 

الشاب ماجد سلوت (26 عاماً) والذي جهز كل امكانياته ووضع كل ما يملك من مال لأجل افتتاح محل تجاري لبيع مواد التنظيف المستوردة والمحلية منها، أوضح أنه وصل الآن إلى مرحلة الافلاس وعلى اثرها قرر ايقاف مشروعه.

 

وقال سلوت لـ "الاستقلال": "منذ شهرين لم يدفع لي أحد الزبائن شيكلا واحداً، فهم يأخذون البضائع دون دفع ولو جزء بسيط من ثمنها، حتى وصلت نسبة الديون المستحقة لي عند الزبائن 10 ألاف شيكل". 

 

وبيّن سلوت، أن عدم التوازن في عملية البيع والشراء أوصلته لحالة مأساوية بعد فقدان مصدر دخله، مشيراً إلى أن البضاعة التي تخرج من المحل لا يدفع المواطنون ثمنها، وبالتالي يضطر للاستدانة من هنا وهناك لجلب كميات أخرى من البضائع لكي لا يتوقف المحل عن البيع، في محاولة منه لإنقاذ مشروعه الصغير ولكن هذا لم يحل المشكلة بل زادها تعقيداً.

 

 وأوضح أنه توقف مؤخراً، عن تجديد بضاعته وأصبح محله فارغاً لعدم قدرته على الاستدانة وملئه بالبضائع، مشيراً إلى أنه استخدم كل وسائل المطالبة والرجاء من الزبائن للتسديد لكنه لم يجد أي استجابة.

 

البيع لمن يدفع

 

حال سلوت لا يختلف كثيراً عن حال الشابة خولة أشرف ( 23 عاماً )، خريجة تخصص الفنون الجميلة، والتي لا يفارق يدها الدفتر الممتلئ بأسماء الزبائن وعناوينهم والمبالغ المالية التي تريدها منهم، بعد أن أوجدت لنفسها عملاً تعتمد عليه كمصدر رزق لها ولعائلتها، حيث تصنع أشكالا من الورق المقوى وترسم لوحات تعليمية وتصنع مجسمات في كافة المجالات.

 

وأوضحت أشرف لـ "الاستقلال" أنها أغلقت باب منزلها في وجه الزبائن ولن تفتحه إلا لمن جاء ليسدد دينه، مبينة أنه في موسم المدارس تزداد الطلبات على أعمالها الفنية وغالبية من تتعامل معهم يسوفون في دفع المال بحجة عدم قدرتهم على ذلك.

 

وقالت: "أكثر من مرة قمت بتخفيض سعر الاعمال مراعاة لظروف الناس على أمل أن يدفعوا لي اذا كان الثمن بسيطاً، لكن الامور بقيت على ماهي، فالموظف راتبه لا يكفيه وآخر ينتظر شيكات الشؤون الاجتماعية ليدفع".

 

وأشارت أشرف، إلى أنها أوقفت عملها لعدم توفر السيولة اللازمة لشراء المواد الخام ومستلزمات العمل، فما تجنيه لن يكفي لتلبية احتياجات بيتها، ولا تقوم الآن بتجهيز طلبات للزبائن إلا لمن يدفع مقدماً، لافتة إلى أن استمرارها بالعمل على هذا الوضع يعرضها لمشاكل ومناكفات مع اصحاب بيع المواد بالجملة في حال تأخرت عن الدفع لهم.

 

قتل في مهده

 

أما المواطن أحمد يونس، فقد لجأ للاستدانة من أحد أقاربه، لفتح محل بقالة على أمل أنه فرصة مضمونة للربح وخاصة أن تكلفة تأسيس المشروع غير كبيرة، والسوق يحتاج لمشاريع البقالة لأنها توفر السلع والحاجات الاساسية اليومية التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية  دون القدرة على الاستغناء عنها، حسب ما أوضح.

 

وقال يونس لـ "الاستقلال": " كنت أحلم بتكبير مشروع البقالة ليصبح محلا تجارياً كبيراً في يوم من الأيام، ولكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس مخيف، بسبب ضعف الحالة الشرائية النقدية للمواطنين، وتراكم الديون المستحقة للتجار على المحل وهو ما كبدني خسائر كبيرة".

 

وأوضح أنه أغلق دكانه الصغير بعد عدة أشهر من افتتاحه وذلك لأنه عجز عن الايفاء بالتزاماته للتجار الذين أرهقوه جراء مطالباتهم المستمرة له بدفع اقساط بضاعتهم، لافتاً إلى إن عمله أصبح في الوقت الحالي يتمثل في طرق أبواب الناس لطلب ديونه وأن حصل عليها يدفعها مباشرة للتجار.

 

وأشار يونس، إلى أن حالة الركود في أسواق قطاع غزة وسوء الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، حالت دون نجاح مشروعه الصغير مما شكل عائقاً أمامه حتى في سداد ما عليه من الديون المتراكمة والتي لم يستطع سدادها حتى الآن.

 

الضربة القاصمة

 

بدوره عزا الدكتور محمد مقداد، عميد كلية التجارة بالجامعة الإسلامية، حالات الفشل للمشاريع الصغيرة في قطاع غزة، إلى نقص السيولة وانخفاض القدرة الشرائية في القطاع، بسبب الحصار المفروض منذ أكثر من 11 عاماً والخصومات التي طالت رواتب الموظفين وتأخر موعد صرفها وبالتالي تراجعت امكانية سداد الديون في ظل استمرار حاجة الناس للشراء.

 

وأوضح مقداد في حديثه لـ "الاستقلال" أن الكثير من أصحاب المشاريع في قطاع غزة، قد أعلنوا افلاسهم وتوقف أعمال القائمين عليها سواء في الصناعة أو التجارة، وأصبحوا يشتكون من ضخامة الديون المستحقة عليهم والمستحقة لهم.

 

وبين أن ارتفاع نسبة تراكم الديون على اصحاب المشاريع الصغيرة والكبيرة يؤدي إلى فشلها وعدم استمراريتها، مؤكداً أن أزمة الديون هي منظومة متكاملة لمشكلة عملت على توجيه ضربة قاصمة للعمل الاقتصادي في قطاع غزة.

 

ونوه إلى أن أي عمل يقوم على البيع بالدين ودون أن يسترد مستحقاته ولا يدفع المستهلكون مقابل الشراء لن يستطيع الصمود والاستمرار لمدة طويلة وسيعلن افلاسه ويغلق ابوابه.

 

ولفت مقداد إلى ان البيع بالدين يؤدي إلى مشاكل جوهرية قد لا يستطيع صاحب العمل التغلب عليها خاصة في الوضع الحرج الذي يعاني منه القطاع وفي ظل حالة الانهيار الاقتصادي التي تشهدها البلاد .

 

ووجه مقداد دعوته لأصحاب المشاريع والتجار بضرورة الانتباه وأن لا يتوسع في الدين، معتبراً أن عملية تحصيل الديون من الناس هي من أصعب الأمور وتتم بعدة طرق منها مسامحة المدين بجزء من الدين أو اللجوء للمحاكم أو القضاء العرفي .

التعليقات : 0

إضافة تعليق