غزة/ دعاء الحطاب
في كل يوم جمعة يتجه حسن خلف إلى المسجد مبكراً، يتخذ ركنا به، وينتظر قدوم رفاقه الصم، يجلس أمامهم بكل ثقة، ليبدأ بترجمة ما يقوله الخطيب بلغة الاشارة، التي تعلمها رغم صعوبتها، حباً في خدمة غيره.
حسن الشاب عشريني تعلم لغة الاشارة لكنه أصر على أن ينفع بها غيره على أوسع نطاق، فخرج من الغرف المغلقة والمؤسسات إلى المسجد، لعله يُساهم في إزالة اشارات الاستفهام التي تظهر بعقول الشباب الصم نحو ما يقوله الخطيب والعبر المستفادة من خطبتهم، وما هي إلا بضعة أيام حتى بدأ الحماس بحضور صلاة الجمعة يغزو قلوبهم أكثر فأكثر والابتسامات تعلوا محياهم.
ظلمة التهميش
آمن "خلف" بمسؤوليته كونها تصنع أملاً لشبابٍ غرقوا في ظلمة التهميش الاجتماعي، فما كان منه إلا أن يمد يد العون والقلب المعطاء لكل من احتاجه، وخاصة فئة الإعاقة السمعية بأن يكون مترجماً لهم في كافة مناحي الحياة وخاصة الناحية الدينية.
ويقول خلف لـ "الاستقلال": "منذ دخول الجامعة وانا أطمح لتعلم لغة الإشارة الخاصة بالصم، فكنت أشاهد فيديوهات تعليمية على اليوتيوب واحاول أقرأ كتباً خاصة بها، إلى أن تعلمت جزءاً منها وأصبحت اترجم بعض الاشارات لصديقي الأصم".
ويتابع:" لم أتوقع بيوم أن أتقن لغة الإشارة وأتعامل بها، ولكن بالصدفة في يوم جمعة ذهبت للمسجد مبكراً فوجدت مجموعة شباب صماً يجلسون بزاوية و يقرأون سورة الكهف باندماج كبير بينهم، فانجذبت لهم وسألت عنهم تفاجأت أنهم يواظبون على حضور صلاة الجمعة رغم أنهم لا يفهمون شيئاً مما يقوله الخطيب وأن لديهم رغبة شديدة بفهمها".
وأضاف:" لم أستطع تجاهل هؤلاء الشباب وأخذت على عاتقي مساعدتهم، والتحقت بعدة دورات لتعليم لغة الاشارة بالإضافة إلى جلسات مع أحد الدعاة لتعلم لغة الاشارة الدينية، وخلال تلك الفترة لاحظ الشباب تطوري باللغة وساعدوني بتعلمها أكثر حتى أتقنتها، ومنذ ذلك الوقت أقوم بترجمة الخطب لهم"، لافتاً إلى أن 20 شخصاً من الصم يأتون إلى المسجد كل يوم جمعة للاستماع إلى الخطبة وفهم المواعظ التي يقدمها الخطيب قبل بدء الصلاة دون عناء، بعد أن كانوا يحاولون سابقاً فهم الخطب عن طريق قراءة شفاه الخطيب.
وبين خلف، أن فكرة أن يكون مترجماً للصم لم تأتِ من فراغ بل كان أساسها واقع التهميش الاجتماعي والحكومي الذي يعيشه ذوو الاعاقة السمعية في قطاع غزة بكافة مناحي الحياة و على وجه الخصوص الناحية الدينية، فهم يتوجهون للمساجد دون ادراك ما يدور حولهم أو فهم ما يتحدث به الخطيب، الأمر الذي يحرمهم من معرفة تعاليم الدين الاسلامي، كل هذا دفعه لترسيخ جل وقته لمساعدتهم.
الاندماج بالمجتمع
ولم يتوقف خلف عند ترجمة خطبة الجمعة فقط، بل تعدى ذلك لترجمة الدروس الدينية التي تُقام في المساجد بشهر رمضان المبارك، كما بات يرافق الصم بمناسباتهم الاجتماعية ويساعد بعضهم في اكمال مسيرته التعليمية.
ويقول :" في البداية اقتصر عملي مع الصم على ترجمة خطب الجمعة في المسجد المحيط بمنزلي، لكن في شهر رمضان العام الماضي أصبح الشباب الصم يتفقون على صلاة التراويح بمسجد معين ويدعوني إليه لترجمة الدروس حتى أصبحت أغطي كافة مساجد منطقة تل السلطان برفح"، مشيراً إلى أن فكرة ترجمة الخطب للصم لاقت تشجيعاً وترحيباً كبيراً من ادارة المساجد، حيث قاموا بتخصيص ركن لهم بكل مسجد حتى لا يشوش عليهم أحد.
وأردف :" بعد مدة قصيرة أصبحت علاقتي بالشباب الصم قوية جداً، وأصبحوا يدعونني لحضور مناسباتهم الاجتماعية كالأفراح والجنازات للترجمة لهم ومساعدتهم في التعامل مع الناس الأسوياء بسهولة، وحالياً أترجم المحاضرات لأول أصم يدرس الماجستير"، منوهاً إلى أنهم من خلال الترجمة استطاعوا الاندماج بشكل أكبر بالمجتمع بعدما كانوا يعانون من العزلة والصعوبة بالتعامل مع من حولهم.
الشعور بالرضي
وأضاف خلف: "حينما يقوم الإنسان بعمل يعود بالنفع على الآخرين يشعر بالرضي النفسي، كونه يساهم في تغير مسار حياة شخص بشكل كامل، فإما أن يأخذ بيده نحو النور او يبقى مدفوناً بظلم المجتمع، كذلك الشعور بالمتعة والسعادة أثناء القيام بعمله بالرغم من كل الضغوطات والمتاعب التي تواجهه".
ويؤكد خلف، أن كل ما يقوم به مجهودٌ فردي تطوعي يندرج تحت باب "الواجب"، ولا يشكّل عبئا عليه، كما أنه يُفكر في طرق فعالة ومؤثرة يستطيع من خلالها افادة أكبر عدد ممكن من الصم، ومن ذلك توسيع نطاق عمله في مساجد القطاع.
وشدد على ضرورة أن تعين وزارة الأوقاف مترجمين إلى لغة الإشارة في المساجد، بهدف ايصال المواعظ والخطب إلى كافة الصم وتعليمهم مبادئ الدين الإسلامي أسوةً بالمواطنين الأصحاء، معتبراً أن خدمة هذه الشريحة واجب منوط على عاتق كل من يتقن لغة الإشارة.
صوت الدعاة
وبدوره، أوضح يوسف فرحات مدير عام الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف بغزة، أن الوزارة لا تتعمد تهميش ذوي الإعاقة السمعية وتسعى جاهدة إلى أن تسمعهم خطب الدعاة كباقي المواطنين، وذلك من خلال ارسال دعاة مختصين بلغة الإشارة الى المراكز التي تؤوي الصم بهدف إعطائهم دروساً ومواعظ دينية، كما انها تقوم بتعيين خطباء لترجمة الخطب بلغة الإشارة داخل المساجد بين الفينة والأخرى.
وقال فرحات خلال حديثة لـ"الاستقلال": "وزارة الأوقاف لا تقوم بتكليف خطباء متخصصين بترجمة الخطب لفئة الصم في هذه الأيام، لكنها قبل سنوات قامت بتعيين ما يقارب 40 خطيباً بالمساجد المركزية في القطاع من أجل ترجمة الخطب للغة الإشارة، بعد اخضاعهم لدورة تدريبة لتعلم اللغة دامت 6 أشهر، لكن بعد شهرين لم يستطع الخطباء الاستمرار بعملهم نظراً لقلة الدعم المالي"، مشيراً الى أن 10 ألاف شخص في القطاع يعانون من إعاقة سمعية (صم).
ونوه الى أن الوزارة ستقوم بتعيين خطباء مختصين بلغة الإشارة لترجمة الخطب للصم الفترة القادمة، على أن يتم تخصيص مسجدين بكل محافظة للترجمة لهم.


التعليقات : 0