غزة/ جيهان كوارع
تحت سماء واحدة وعلى نفس المسافة كان يجتمع بعائلته فوق ربيع الأرض، يحدثهم عن تلك البلاد البعيدة التي زرع حب العودة لها في نفوسهم، يقول لصغاره: اهتفوا للوطن فيرددوا خلفه الشعارات الوطنية ويوثقوا معاً جذور الانتماء وحب الوطن الذي شوهته ثياب الغربة، منتظرين تكبيرة العودة الكبرى.
وعندما بدأ شبح الموت يتسلل بين حشود المشاركين في مسيرة العودة الكبرى، أمسك الأب جهاد زهير أبو جاموس، بيديه المرتعشتين أطفاله متشبثا بهم بكل ما أوتي من قوة محاولاً أن يكون السد المنيع بينهم وبين رصاصات العدو، ليضعهم في مكان أكثر أماناً كي لا يصابوا بأذى، ولكنه لم يكن يعلم أن أنياب الموت كانت تريده هو وأن رصاصة ممتلئة بحقد ستسلبه من تلك القلوب الصغيرة التي لا ترى الدنيا إلا به.
الشهيد جهاد أبو جاموس والذي سُرقت منه الحياة على مرأى العالم في الربيع الثلاثين من عمره، كان واحداً من ألاف المواطنين الذين تجمعوا في مسيرة العودة الكبرى على الحدود الشرقية لقطاع غزة ، وعلى مقربة من الخط الفاصل بين شرق خانيونس والاراضي المحتلة عام 1948، وواحداً من 17 شهيداً ارتقوا خلال المسيرة و1450 جريحاً من بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، ليكتب حكاية نضال لا عنوان لها سوى "هنا قُتل أصحاب الأرض".
ولعل حكاية الوجع التي يعيشها أهالي الشهداء في غزة واحدة إلا أن عائلة الشهيد جهاد لها نصيب أكبر من المعاناة فالقناص كاتم الصوت حرمها عيناً كانت ترشدها إلى الطريق، فابنها جهاد واخوه زكريا هما المبصران الوحيدان في العائلة، بينما يعاني باقي افرادها والبالغ عددهم 4 من فقدان البصر.
وكان جهاد المعيل الوحيد لأسرتين صغيرتين إحداهما لا تبصر النور الا من خلاله, وكانت يداه هي بصيص الضوء الذي ينير عتمة فقدان البصر، ليخيم برحيله الظلام للابد في عيونهم وقلوبهم.
الحق للجميع
وبقلب ينعكس انكساره وحرقته على ضعف صوتها الذي بالكاد يخرج بعد عبارة "الحمد لله"، أوضحت غدير أبو جاموس، زوجة الشهيد أنها خرجت مع زوجها وأطفالها الأربعة منذ ساعات الصباح الأولى للمشاركة في مسيرة العودة، وأن إصرار الشهيد على المشاركة كان يكبر كل يوم بداخله منذ الإعلان عن موعد انطلاق المسيرة قبل عدة أسابيع، ولم يرغب أن يكون هناك لوحده فالحق للجميع وزوجته وأطفاله أول الجميع بالنسبة له.
وبعد أن وفر الشهيد نقطة آمنة لأطفاله، بقي يقف بجوار زوجته وما أن حانت منها التفاتة لترسل بصرها كي تطمئن على سلامة صغارها، وقبل أن يرتد إليها طرفها، اخترقت مسامعها صرخة تقول :"جهاد استشهد" لتحتضر النظرات التي تحاول أن تلملم المشهد، وتشتعل نيران الحرقة والفراق في قلبها للأبد.
وقالت أبو جاموس: " كنا واقفين عند بعض وبوصيني على الأولاد، ودون أي مقدمات جاءت طلقة في رأسه وشالوه على الاسعاف، وكل الناس صارت تجري وتقول جهاد مات".
وأشارت أبو جاموس، إلى أن أكثر ما يؤلمها هو كونها وأطفالها هم شهود العيان على موت زوجها، مؤكدة أن حديث الشهيد منذ وصوله لأرض المسيرة كان يتلخص حول أمنيته بأن ينال الشهادة فهي الحبيبة التي يرنو إليها كل يوم.
القدر رصاصة
"قلتله خذ بل ريقك بالمية، قال لا بس اعطيني البصلة عشان الغاز، بس الغاز ما بموت اللي بموت الرصاص يا جهاد"، بهذا تصف ابو جاموس اللحظات الأخيرة لها بقرب الشهيد الذي اقتسم رأس البصل معها وأوصاها بأن تضعه على أنفها كي لا تختنق من قنابل الغاز، ليكون القدر رحيله برصاصة لا قنبلة غاز.
وتحت جفنها ينام الحزن على وقع سؤال أطفالها الذي لم يفارق ألسنتهم منذ رحيل والدهم: "لماذا أبي لم يعد معنا من المسيرة " لتبقى زوجة الشهيد عاجزة عن الاجابة بسبب تلك الآهات والدموع التي في داخلها.
وتقول أبو جاموس: "جهاد راح عند ربه الحمد لله ، والآن مين بده يطلع لأولاده، كان يغيب طول النهار يجمع البلاستيك ويبيعه بـ20 شيكلا ويجيب مصروفهم ويؤمن قوت العائلة، الله يعينا ويصبرنا على فراقه".
وعن رسالتها كزوجة شهيد، فهي لا تتمنى سوى أن يتوقف شلال الدم والأسى عن حصد أرواح الفلسطينيين وأن لا ينسى الشعب حقه وحق الشهداء والمصابين.
" شفتك شهيد ياما "
أما الأم التي جلست أمام بيتها تنتظر الموكب العائلي الذي فارقها صباحاً، الموكب عاد لها ناقصاً، عاد تاركاً فلذة كبدها خلفه، لتكون واحدة من خنساوات فلسطين اللواتي طالما تمنت أن تكون واحدة منهن.
" الحمدلله اني شوفتك شهيد يا جهاد، شوفتك عريس، شوفتك شهيد مزيون بعلم بلادك" هذا كل ما تقوله والدة الشهيد أبو جاموس عن ابنها الشهيد وهي تنظر لصورته المطبوعة حديثاً من خلف ضباب الألم الذي احتشد في عينيها بحجم أكبر من تلك الحشود التي خرجت في يوم الارض.
وبصوت يخذله الحرمان تضيف أم جهاد:" رغم الوجع أنا فخورة باستشهاد ابني، فكم كنت أتمنى أن أكون "أم الشهيد" وواحدة من خنساوات فلسطين اللواتي يقدمن الغالي والنفيس لأجل الأرض"، واصفة نجلها بأنه "كان حنوناً وشيمته الطيبة وكل الناس بتشهد على أخلاقه واحترامه، ومنذ صغره وهو بحب بلاده ونفسه يرجعلها".
وتضيف " كان يشتغل ويعيل اولاده وشايل مسؤولية اخوانه واخواته فاقدين البصر، وكان هو بصرهم ويوصلهم لمدارسهم ولمصالحهم ويمشي امور حياتهم، وهلقيت فقدنا المعيل والبصر وسند العيلة الكفيفة".
وأوضحت أن ابنها الشهيد جهاد لم يكن لديه عمل ثابت، فكان مصدر دخله يعتمد على حجم البلاستيك المستعمل والمتواجد حوله في المنطقة وعلى قدر وزن ما يجمع من هذه المواد يكون أجره، مؤكدة أنه كان يوزع يومه بين البحث عن البلاستيك وبين رعاية عائلتين صغيرتين احداهما لا تعرف النور إلا من خلاله.
وانطلقت يوم الجمعة الماضي في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض، فعاليات مسيرة العودة الكبرى، التي تشكل حدثًا فارقًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ بمشاركة أطياف الشعب الفلسطيني ومن أماكن لجوئهم كافة، وذلك بعد مرور نحو 70 عامًا على نكبة فلسطين وتهجيرهم من أرضهم.
وتوجه مئات الفلسطينيين في قطاع غزة لمخيمات العودة المنصوبة في خمس مناطق شرق القطاع تبعد 700 متر عن السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة، في تحرك سلمي هدفه وضع حقهم في العودة على جدول الأعمال الدولي، إلا أن مسيرة العودة السلمية حولتها "إسرائيل" لحمام دم.


التعليقات : 0