شباب غزة.. أحلام ضاعت على أعتاب الغربة

شباب غزة.. أحلام ضاعت على أعتاب الغربة
محليات

الاستقلال/ محمد مهدي

حزموا حقائب أحلامهم وفروا بها من براثن الحصار المفروض على قطاع غزة للعام الحادي عشر على التوالي؛ على أمل أن تتسع بلاد أوروبا لأحلامهم المتواضعة التي لا تتخطى عتبة الحقوق الأساسية بالعيش الكريم، بيد أن الرياح خالفت هوى السفن، فبلاد الإنسانية كشرت عن أنيابها في وجه شباب قطاع غزة الذين تقطعت بهم السبل في إيجاد فرص عمل في وطنهم الأصلي.  ولجأت أعداد كبيرة من شباب قطاع غزة إلى الهجرة بطرق متنوعة نحو عدة بلاد أوروبية؛ على أمل الحصول على فرص عمل والتمتع بحياة أفضل تتناسق مع أحلامهم الوردية التي رسمت في مخيلاتهم عن الحياة في أوروبا، ليصطدموا بواقع أكثر صعوبة ويصبح الطريق الذي بدأوه معبداً بالأشواك لا الورود.

 

هجرات مكررة

 

ويقول الشاب العشريني محمود الكرد: "غادرت قطاع غزة للأوضاع الاقتصادية المتردية وعدم توفر أي فرص عمل، وتوجهت إلى تركيا بعد رحلة مضنية وانتظار دام عدة شهور للخروج من بوابة معبر رفح، على أمل أن أكمل دراستي الجامعية وأجد فرصة لبناء مستقبل أفضل".

 

وأضاف في حديثه لـ" الاستقلال"، "مكثت في تركيا عدة أشهر لم أجد خلالها أي فرصة لتحقيق النجاح وهو ما دفعني للرحيل مجدداً والتسلل  إلى اليونان لأصطدم بواقع أكثر صعوبة وقسوة، بعد أن تم احتجازي في إحدى الجزر اليونانية خلال محاولتي الهروب لدولة أوروبية أخرى".

 

ويستذكر ومضات من رحلته القاسية من تركيا إلى اليونان حيث نجح بعد عدة محاولات فاشلة للهرب براً، كان آخرها خلال عاصفة ثلجية أجبرته ومن معه على المكوث أربعة أيام في الغابات والسير بمستويات تثلج مرتفعة بعد أن نفذ منهم الطعام والشراب، بعبور النهر المتجمد الساعة الثالثة فجرا ببالون يحمل على متنه 40 راكبا، ليتعرضوا لإطلاق نار من قبل حرس الحدود استهدف البالون وأجبر الشباب على السباحة وانقاذ الأطفال والنساء.

 

ويوضح الكرد، أنه منذ احتجازه في كامب بالجزيرة اليونانية بات تحت رحمة طلب اللجوء لينقذه من جحيم المعاملة السيئة التي يتلقاها المهاجرون من قبل الشرطة اليونانية، قائلا :" لا يتوانى أفراد الشرطة اليونانية في مهاجمة اللاجئين سواء لفظيا أو بدنيا وبدون أي سبب، فهم يشعرون أن اللاجئين عبء على البلد المنهك اقتصاديا ".

 

واعتبر أن الواقع الذي عايشه والمعاملة التي تلقاها، أثبت له زيف ادعاءات الإنسانية التي تتغنى بها أوروبا، مشيراً إلى صعوبة الحياة في الكامب المحتجز به والمكون من كرافانات حديدية.

 

وأكد الكرد أنه ينتظر فرصة نقله إلى العاصمة أثينا في مقابل مبلغ 4000 يورو للتهرب مجدداً إلى بلجيكا للبحث عن فرصة عمل وحياة أفضل، معرباً عن أمله بالعودة إلى قطاع غزة، معقبا "حاليا ما أستطيع فعله هو الانتظار فقط في ظل حرماننا من العمل قبل الحصول على الإقامة". 

 

رحلة الموت

 

ولم تغب آهات اللوعة عن حديث الشاب العشريني محمد الهور، الذي استقر به المطاف في هولندا بعد "رحلة الموت" التي انطلق بها من قطاع غزة أواخر الحرب الأخيرة عام 2014.

 

وقال الهور لـ "الاستقلال": "هاجرت مع عدة شباب ووصلنا إلى الاسكندرية ومن هناك استلمنا الشخص المعنى بتهريبنا وانتقلنا من سفن صغيرة إلى سفن جرار في عرض البحر، لتبدأ رحلة الموت الحقيقية حيث كان على متن السفينة 450 راكبا في حين أن أقصى حمولة لها هو 150 راكباً فقط ".

 

وأضاف "كنا في القارب ننتظر الموت في أي لحظة فلم يكن بوسع أحد مد ساقه أمامه بفعل التزاحم الكبير، بخلاف وعود المهرب الذي وعدنا بالانتقال إلى بواخر فاخرة ورحلة مرفهة، واستمرت معاناتنا في البحر تسعة أيام قبل أن يتركنا بحارة السفينة في عمق البحر على بداية المياه الإيطالية ويلوذوا بالفرار خوفا من القبض عليهم".

 

وأوضح أن القدر أرسل سفينة شحن بضائع نرويجية بعد ساعات ليست بالقليلة لتبلغ الجيش الإيطالي بوجود سفينة لاجئين على وشك الغرق، قبل أن تتلقى إيعازاً رسمياً من الجيش بإنقاذ اللاجئين وتسليمهم على أحد الموانئ الإيطالية وهو ما تم فعليا".

 

وبعد وصول الهور والمهاجرين بسلام إلى إيطاليا انتقل برا إلى هولندا ليستقر هناك بعد أن قدم طلب لجوء للحصول على الجنسية، مؤكدا أن واقع الحياة الذي صادفه في بلاد أوروبا كان على النقيض تماما من الدعايات التي كانت تصله عن هذه البلاد.

 

وتابع "هنا لا مجال للعمل بشهادتك فهي غير معترف بها، وكذلك التعامل مع اللاجئ الفلسطيني بات مغايراً تماماً عن السابق وبالأخص سكان قطاع غزة فمجرد ذكر اسم غزة تصبح محل شك بالإرهاب، وفرص العمل المتاحة هي أدنى الفرص وأصعبها فقط"، مشيراً إلى أن كل من يعيش في أوروبا من المهاجرين الشباب بالكاد يسعفون أنفسهم في إيجاد قوت يومهم فقط، ورغم ذلك لا يشكون  معاناتهم لذويهم على أمل أن تتحسن الظروف أو يحصلوا على الجنسية.

 

حلوهما مر

 

واعتبر الشاب مصطفى عفانة الذي هاجر إلى تركيا، أن الهجرة كانت بصيص الأمل الوحيد المتاح للشباب الفلسطيني في قطاع غزة، على الرغم من صعوبة التجربة ومرارة الغربة، معقباً " لم تتح لنا أي فرصة للحصول على دخل أو عمل في قطاع غزة ولذلك لم يكن أمامنا سوى تجرع مرارة الغربة على أمل إيجاد فرصة عمل في ظل انعدام الفرص في القطاع".

 

وأوضح عفانة لـ" الاستقلال" إنه خرج من معبر رفح بعد محاولات عديدة ومبالغ طائلة تكبدها خلال محاولات السفر على كشوفات التنسيق والتي دفع نظير كل محاولة ما لا يقل عن 2000 دولار أمريكي. وقال عفانة: "عند وصولي لتركيا اصطدمت بواقع مغاير لكل ما سمعت عن الحياة المرفهة والفرص الوفيرة، فالحياة صعبة جداً وأجور العمل متدنية في حين أن الالتزامات كبيرة وإيجار المنزل يبتلع غالبية ما أحصله من العمل"، مضيفاً "وجدت لنفسي فرصة عمل بمبلغ 1000 ليرة ولكنه زهيد جدا مقارنة بحجم المصاريف المطلوبة".

 

وأكد عفانة، أنه يبحث حاليا عن فرصة مناسبة للهجرة مجدداً نحو بلد أخر لعله يجد ضالته والفرصة المناسبة لتكوين نفسه، موضحاً أنه يرسل بضائع لأخيه في غزة من خلال الشحن ليقوم الأخير ببيعها وتوفير دخل إضافي لنفسه ولعائلته.

 

عوامل متراكمة

 

وأكد الخبير في الشأن الاقتصادي عمر شعبان، أن البلاد الأوروبية استقبلت خلال العامين السابقين ملايين المهاجرين بشكل يفوق قدرتها الاستيعابية ويربك حساباتها، وهو ما انعكس مباشرة على التسهيلات المتاحة للاجئين.

 

وبين شعبان لـ "الاستقلال"، أن هذه الأعداد أصبحت تمثل تحدياً كبيراً للحكومات الأوروبية ولإدارة التبعات الاقتصادية المترتبة على استقبال أعداد المهاجرين الوافدة من عدة دول ولأسباب مختلفة، في ظل أولوية للاجئ السوري لطبيعة الظروف الميدانية التي تعيشها الجمهورية السورية حالياً.

 

وأوضح أن تكدس اللاجئين في أوروبا اختلط مع تهديدات إرهابية جعلت الحكومة تشدد من إجراءاتها الأمنية، وهو ما سبب المعاناة للعديد من العائلات  المهاجرة وخاصة الأطفال والنساء وإجبارهم على تحمل أعباء لم تكن في حسبانهم من خلال الانتظار الطويل في ظروف مناخية مختلفة والتحقيقات وأساليبها المختلفة.

 

واعتبر شعبان، أن السوق الأوروبية لم تعد تلك السوق الغنية بفرص العمل مع حالة الركود الاقتصادي التي تعصف بالعديد من دول أوروبا بخلاف شروط الجودة اللازمة التي يطلبها العمل هناك، وهو ما لا يتوفر في أغلب شباب غزة المهاجرين؛ ولذلك تصبح الحياة في أوروبا صعبة جدا عليهم وتفوق قدرتهم وتتطلب منهم جهوداً كبيرة للوصول لمرحلة القبول في سوق العمل.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق