رمزية "الكاوشوك" في الثقافة الفلسطينية... بسام محمد

رمزية
محليات

 

بسام محمد

 

«التفاعلية الرمزية» هي إحدى النظريات الاجتماعية التي تساعد في فهم النظم والتفاعلات الاجتماعية. تنطلق من تحليل الوحدات الاجتماعية الصغرى؛ حتى نستطع من خلالها فهم الوحدات الاجتماعية الكبرى. تقسم «التفاعلية الرمزية» الاتصال إلى قسمين: اتصال رمزي، واتصال غير رمزي. حيث يركز الاتصال الرمزي على الأفكار والمفاهيم التي تؤدي (اللغة) فيها دورًا مهمًا في فهم علاقات الأفراد في مختلف المواقف الاجتماعية. أما الاتصال الرمزي: فيشير إلى مجموع الإشارات والرموز التي يستخدمها أفراد المجتمع لتسهيل عملية التواصل فيما بينهم.

 

بناءً على ما سبق، فإن كلمة «كاوشوك» لها دلالات رمزية في ثقافة المجتمع الفلسطيني المقاوم. تطلق كلمة «كاوشوك» في اللهجة الفلسطينية على إطار السيارات. حيث يعبر إشعال «الكوشوك» عن صورة من صور المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي المدجج بمختلف المعدات العسكرية المتطورة. لكن إشعال «الكاوشوك» لم يستخدم في كل حالات الاشتباك مع جيش الاحتلال، بل يستخدم في حالات معينة. كسقوط شهيد، أو تدنيس واقتحام المقدسات، أو اتخاذ قرار صهيوني يضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية. بمعنى آخر، إشعال «الكاوشوك» ورؤية أعمدة الدخان السوداء الكثيفة تتصاعد إلى السماء تدلل للرائي على أن المواجهات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي أخذت طورًا أكبر، وطابعًا أحد من المواجهات الاعتيادية.

 

أذكر أنه  في الانتفاضة الشعبية الأولى (1987-1993م)، عندما لم يكن الفرد على دراية بالأحداث الميدانية، ويرى أعمدة الدخان السوداء تتصاعد إلى السماء كان يقول: «الدنيا كوشكت.. الدنيا ولَّعت»، فيهرع إلى المذياع أو يسأل المارة عن الأحداث وأسباب إشعال «الكاوشوك». فإشعال «الكاوشوك» تعبير عن الغضب الشعبي على سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني.

 

إشعال «الكاوشوك» هو أحد أساليب المقاومة البسيطة التي وظفتها الجماهير الفلسطينية في الانتفاضة الأولى لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بجانب أدوات بسيطة أخرى كرشق الدوريات والجنود الصهاينة بالحجارة، والزجاجات الحارقة (المولوتوف)، والمقلاع، ووضع المتاريس في الشوارع العامة لقطع طريق آليات جيش الاحتلال الإسرائيلي التي تلاحق المتظاهرين... إلخ. هذه العادة (إشعال الكاوشوك) توقفت مع توقف الانتفاضة الأولى. لكن يعاد استخدامها مع تصاعد المواجهات الشعبية مع جيش الاحتلال. وقد استخدمت بشكل مكثف أواخر السنة الماضية، تعبيرًا عن الغضب الشعبي العارم على إعلان الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وقراره نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى المدينة المقدسة. منذ لحظة ذلك الإعلان الأمريكي حتى هذه اللحظة لم تتوقف الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية. لكن زادت وتيرتها في الأسبوعين الماضيين مع إعلان مسيرات ومخيمات العودة الكبرى التي أقيمت على طول الحدود الشرقية لمحافظات قطاع غزة رفضًا للقرار الأمريكي وتأكيدًا على حق العودة لفلسطين التاريخية.

 

التي انطلقت فعالياتها فعليًا يوم الجمعة قبل الماضية (30/3). وقد سقط فيها عدداً من الشهداء على يد قناصة جيش الاحتلال، ـ رغم سلميتها ـ. فقرر النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إطلاق «جمعة الكاوشوك» على الجمعة التالية (6/4)؛ تعبيرًا عن الغضب الشعبي لسقوط الشهداء في الجمعة التي سبقتها، هذا من جهة، وكي يعطل إشعال «كاوشوك» وظيفة قناصة جيش الاحتلال في إسقاط مزيدًا من الشهداء من جهة ثانية. وقد تحقق للجماهير المنتفضة ما أرادت. حيث أشعل «الكاوشوك» بشكل كبير وكثيف على طول الحدود الشرقية للقطاع. فالكل رأى إما من الميدان أو عبر وسائل الإعلام التي غطت الحدث مباشرة كيف اكتست سماء الحدود جهة الاحتلال بسواد كثيف، فحولت نهار جيش الاحتلال إلى ليل دامس، فلم يتمكنوا من رؤية شيء من جهة المنتفضين فتعطلت مهمتهم في القنص. لكن مع خفوت الدخان نجح قناصة الاحتلال فيما فشلوا فيه وقت إشعال الكاوشوك بإصابة العديد من المنتفضين بين شهيد وجريح!

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق